بقلم هبه دعبس
أحيانًا لا تكون المشكلة في الدولة ولا في قلة الموارد، بل في بعض الأشخاص الذين يتولون المسؤولية، فيتعاملون مع المنصب وكأنه فرصة لتأمين مصالحهم الشخصية ومصالح المقربين منهم، لا أمانة تستوجب العدل والنزاهة وحفظ حقوق الناس.
أساس المشكلة
المشكلة الحقيقية تبدأ حين يصبح المسؤول حريصًا على أن يضبط أوضاعه وأوضاع من يخصّونه، بينما عندما يأتي الأمر إلى حقوق الآخرين، أو المكافآت المستحقة، أو المستحقات المالية التي كفلها القانون، تظهر فجأة حجة «مفيش فلوس» و«الإمكانيات لا تسمح»!
سؤال
وهنا يحق لنا أن نسأل: إذا كانت الموارد لا تكفي لصرف الحقوق المستحقة، فمن أين تأتي الأموال التي يحصل بها البعض على امتيازات ومكافآت ومزايا؟ ومن المسؤول عن مراجعة هذه الأموال ومراقبة أوجه صرفها؟
هل أصبحت الحقوق تُمنح وفقًا للعلاقات والمصالح، أم وفقًا للقانون والاستحقاق؟ وهل أصبح الموظف الذي يؤدي عمله وينتظر حقه مطالبًا بالصبر والتنازل، بينما هناك من يعرف جيدًا كيف يحصل على كل ما يريد؟
الأخطر من ذلك أن تظهر بعض المخالفات، أو تُكتشف فروق في المستحقات والمزايا، بعد خروج الموظف إلى المعاش، وكأن المراجعة لم تكن ضرورية طوال سنوات خدمته، وكأن الرقابة لا تتحرك إلا بعد فوات الأوان!
أين الرقابة الدورية؟ أين المراجعة المالية والإدارية؟ وأين تطبيق القانون على الجميع دون استثناء؟
لماذا لا تتم مراجعة المرتبات والمكافآت والحوافز والمستحقات بصورة منتظمة؟ ولماذا لا يُحاسَب كل من يثبت حصوله على أموال دون وجه حق، أو تسببه في ضياع حقوق الآخرين؟ ولماذا يتحمل الموظف البسيط نتيجة أخطاء لم يرتكبها، بينما تمر سنوات دون اكتشاف الخلل أو محاسبة المسؤول عنه؟
إن المال العام ليس ملكًا لمسؤول، ولا حقًا مكتسبًا لمن يجيد استغلال منصبه، ولا غنيمة توزَّع وفقًا للأهواء والعلاقات. إنه حق للمجتمع، والأمانة فيه تقتضي رقابة حقيقية ومحاسبة جادة وشفافية في كل جنيه يُصرف.
العدل لا يعني أن يحصل الجميع على المبلغ نفسه، بل أن يحصل كل إنسان على حقه كاملًا، وأن يخضع الجميع للقواعد نفسها دون محاباة أو استثناء.
والقانون الذي لا يُطبَّق إلا على الضعيف، أو لا تُكتشف مخالفاته إلا بعد انتهاء الخدمة، يحتاج إلى مراجعة جادة في آليات تطبيقه والرقابة على تنفيذه.
نحن لا نتحدث عن اتهام أشخاص دون دليل، ولا عن تعميم يظلم الملتزمين والشرفاء، بل عن ضرورة كشف أي خلل ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنه، مهما كان منصبه أو نفوذه.
فالدول لا تتعطل بسبب نقص الإمكانيات وحده، بل قد تتعطل أيضًا بسبب سوء الإدارة، وضعف الرقابة، وغياب المحاسبة، حين تتحول المسؤولية من خدمة الناس إلى خدمة المصالح الخاصة.
السؤال الذي يجب ألا يسقط بالتقادم: من يراقب من؟ ومن يحاسب من؟ ومن يعيد الحقوق إلى أصحابها إذا اكتُشف بعد سنوات أنها صُرفت في غير موضعها؟
فلا عدالة بلا رقابة، ولا ثقة بلا شفافية، ولا إصلاح حقيقي ما دام البعض يبحث عن حقوقه وحقوق المقربين منه أولًا، ثم يطلب من الآخرين أن ينتظروا عندما يأتي دورهم!
المشكلة ليست دائمًا في قلة المال، بل في طريقة إدارته، وفيمن يملك سلطة التصرف فيه، وفي غياب المحاسبة حين يجب أن تكون حاضرة.
لأن المنصب تكليف لا تشريف، والمال أمانة لا غنيمة، وحقوق الناس ليست مِنّة من أحد، بل حقوق يجب أن تُصان ويُحاسَب كل من يتعمد إهدارها أو حرمان أصحابها منها.

