السياسة التركية في الإقليم.. من سوريا إلى أفريقيا وتأثيرها على الأمن القومي المصري
شبكة النايل الإخبارية: تحليل – أشرف بن ماضي
تحول الملف التركي خلال العقد الماضي من ملف علاقات ثنائية إلى ملف مرتبط مباشرة بالأمن القومي العربي، خاصة مع تصاعد التدخلات في أكثر من ساحة إقليمية.
أولاً: سوريا.. إعادة تشكيل الجغرافيا
يرى مراقبون أن التدخل التركي في شمال سوريا ساهم في إعادة تشكيل الخريطة الميدانية هناك.
فقد فتحت الحدود أمام انتقال مقاتلين، وتم دعم فصائل مسلحة، وجرى إنشاء مناطق نفوذ تركي مباشر.
النتيجة بحسب تقارير دولية: تفاقم أزمة اللاجئين، وتقسيم الأمر الواقع للدولة السورية، وخلق بؤر توتر على الحدود.
ثانياً: ليبيا.. تدويل الصراع وتأمين الحدود الغربية
منذ توقيع مذكرة التفاهم العسكرية بين أنقرة وحكومة طرابلس في نوفمبر 2019، شهدت ليبيا تصعيداً عسكرياً ملحوظاً.
أشارت تقارير أممية صادرة بين 2020 و2023 عن لجنة الخبراء المعنية بليبيا إلى نقل مقاتلين أجانب إلى الأراضي الليبية وإنشاء قواعد عسكرية واستخدام طائرات مسيرة.
كما تحدث مسؤولون ليبيون عن وجود معسكرات لتدريب مجموعات مسلحة.
ويرى محللون أن الهدف من ذلك كان إيجاد موطئ قدم عسكري قريب من الحدود المصرية.
ثالثاً: التمدد في أفريقيا.. بوابات جديدة
بعد ترسيخ الوجود في الشمال السوري، اتجهت أنقرة نحو أفريقيا.
ووفق معطيات رسمية وتصريحات حكومية، عززت تركيا وجودها في الصومال والسودان وتشاد والنيجر عبر اتفاقيات عسكرية واقتصادية وإنشاء منشآت تدريب.
بالإضافة إلى نشاط مكثف لمؤسسات وجمعيات مدنية تركية.
ويربط خبراء هذا التمدد بمحاولة إحاطة مصر بجبهات ضغط من الجنوب، خاصة في ظل ملف مياه النيل.
رابعاً: الموقف المصري.. ثوابت لا مساومة عليها
في مواجهة مقترحات تحالفات إقليمية جديدة تم تداولها إعلامياً، أعلنت مصر موقفاً واضحاً برفض المشاركة في أي ترتيبات تضم أطرافاً لها سجل تدخلات في المنطقة إلا وفق 4 شروط:
1. احترام السيادة: وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.
2. وقف دعم الجماعات المسلحة: والالتزام بمخرجات الحلول السياسية في ليبيا والسودان.
3. حماية الأمن القومي العربي: وعدم المساس باستقرار دول الجوار المباشر لمصر.
4. أولوية المصالح العربية: وأن تكون بوصلة أي تحالف هي أمن الخليج والدول العربية.
هذا الموقف المصري اعتبرته أوساط سياسية بمثابة إجهاض لأي محاولة لفرض أمر واقع إقليمي لا يراعي الثوابت العربية.
خامساً: السياسات الخارجية وتأثيرها على التوازن الإقليمي
يرى خبراء في الشأن الإقليمي أن بعض السياسات التركية الحالية تتقاطع مع أهداف أطراف إقليمية أخرى في 3 ملفات رئيسية:
1. إضعاف مركزية الدولة: وهو ما انعكس في سوريا وليبيا واليمن من خلال دعم أطراف محلية.
2. إعادة رسم خرائط الطاقة: المذكرات التركية في شرق المتوسط تتعارض مع جهود مصر لأن تصبح مركزاً إقليمياً لتداول الطاقة.
3. ملفات الضغط: محاولات إيجاد موطئ قدم في الجوار الجغرافي لمصر.
سادساً: ملف العلاقات مع مصر
شهدت العلاقات المصرية التركية توتراً حاداً خلال السنوات الماضية.
ووفق بيانات رسمية مصرية، استضافت أنقرة عناصر مصنفة إرهابية وفق القوائم المصرية والدولية ووفرت لها منصات إعلامية.
وترى القاهرة أن أي تقارب مستقبلي يجب أن يمر عبر وقف التحريض الإعلامي ووقف دعم أي أنشطة تستهدف استقرار الدولة المصرية.
أخيرا
التجربة في سوريا وليبيا وأفريقيا أثبتت أن التدخل الخارجي دون توافق إقليمي ينتج عنه مزيد من التفك.
والرهان الآن على وعي الدول العربية بثوابتها.
مصر 2026 تتعامل مع ملف تركيا بمنطق المصالح وحدود الأمن القومي، وليس بمنطق الشعارات.

