نجوان صفي الدين
حين يتخفى الكِبر في ثوب الزُهد لا يصبح فضيلة بل يصبح شكلاً من أشكال الكِبر القاتل لصاحبه.
ليس كل من ابتعد عن بريق الدنيا تحرر منها، فبعض النفوس تهجر مظاهر الترف لتصنع لنفسها مجدًا خفيا من الشعور بالتفوق.
ثمة مفارقة دقيقة في النفس البشرية؛ أن يتخلى الإنسان عن بعض ما يملكه، لا لأنه تحرر من التعلق به،
بل لأنه وجد في التخلي عنه وسيلةً أكثر خفاءً لإثبات تميزه عن الآخرين.
هنا، لا يعود الزهد طريقًا إلى صفاء الروح،
بل يتحول إلى مرآة جديدة يرى الإنسان فيها نفسه أعلى مقامًا، وأكثر نقاءً، وأعمق فهمًا للحياة من سائر الناس.
والحقيقة أن الكِبر لا يحتاج دائمًا إلى مالٍ يُتباهى به، أو منصبٍ يُستعرض به، أو مظهرٍ يلفت الأنظار؛
فقد يرتدي ثوب البساطة، ويتحدث بلغة الحكمة، ويتخفّى خلف كلمات الوعظ،
بينما تسكن أعماقه رغبة خفية مميتة في أن يُنظر إليه باعتباره استثناءً بين البشر.
أخطر صور الغرور ليست تلك التي تعلن عن نفسها بصوت مرتفع، بل التي تتقن الاختباء خلف الفضائل؛
فهناك من يتواضع ليُمدح، ويزهد ليُعظم، ويبتعد عن مظاهر الحياة لا قناعةً بقلة قيمتها، بل رغبةً في أن يبدو أكثر قيمةً ممن يعيشونها.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا
هل تخلّصنا حقًّا من الأنا؟ أم أننا منحناها ثوبًا جديدًا أكثر أناقةً وخفاءً؟!
فالإنسان الذي نضجت روحه لا يحتاج إلى التقليل من الآخرين كي يشعر بقيمته، ولا إلى استعراض نقائه كي يُثبت صلاحه،
ولا إلى تحويل اختياراته الشخصية إلى ميزانٍ يحاكم به اختيارات الناس أبداً.
إنه يدرك تماماً أن لكل إنسان رحلته، وأن اختلاف البشر في أساليب حياتهم لا يمنح أحدًا حق إصدار الأحكام على ضمائرهم فحسب؛
ليس كل من امتلك الدنيا تعلق بها، وليس كل من تركها تحرر منها.
الزهد الحقيقي ليس أن تتخلى عن الأشياء،
بل أن ترتقي ألّا تسمح للأشياء، امتلاكًا أو تخليًا، بأن تصنع في داخلك شعورًا بالتفوق على غيرك.
السكينة الحقيقية هنا لا تُقاس بمدى هدوء ملامحك، ولا بقلة ما تملك، ولا بالصورة التي يرسمها الناس عنك؛
بل بما يتركه حضورك في نفوسهم، وبقدرتك على احترام من يختلف معك في كل الأشياء،
والرحمة بمن يتعثر ويحتاجك، والتواضع حين تكون قادرًا على التعالي.
فإن زادك الزهد احتقارًا للناس، فثمة شيء في داخلك يحتاج إلى المراجعة.
وإن زادتك المعرفة شعورًا بأنك فوق الآخرين، فربما لم تتحول معرفتك بعد إلى حكمة.
لأن الفضيلة التي تُفسد نظرتك إلى الناس تفقد شيئًا جوهريا من معناها،
والروح التي تنشغل بإثبات نقائها أكثر من انشغالها بإصلاح عيوبها، قد تكون أسيرةً لصورتها عن نفسها، لا متحررةً من أهوائها.
في النهاية
لا تسأل نفسك كم تخليت عنه لتبدو زاهدًا، بل اسألها: كم تخلصت من غرورك حتى أصبحت أكثر رحمةً بالناس؟
فقد تكون أصدق علامات النقاء أن تعيش ببساطة دون أن تتباهى بها، وأن تمتلك الحكمة دون أن تتعالى بها،
وأن تقترب من الله دون أن تجعل نفسك قاضيًا على قلوب عباده.
فالسكينة التي تستحق اسمها تُصلح خُلُقك، لا صورتك أمام الآخرين؛ تخفض صوت الأنا في داخلك، لا مكانة الناس في عينيك.
فليس أعظم الزاهدين من قل ما يملك، بل من قلّ في قلبه الشعور بأنه أفضل من غيره،
اليقين والتسليم التام بأن ما عند الله خيراً وأبقى والعاقبة للمتقين.

