قداسة النفس البشرية وسقوط العدوان: رؤية قرآنية في مواجهة الظلم
القاضي/ حسين محمد أحمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن
{وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}
إن ما يعانيه العالم اليوم من تدهور في الأخلاق، وانكباب على الرذائل، وانتشار للجرائم، إنما هو ثمرة قسوة قلوب بعض البشر، وغفلتها عن استحضار عظمة الله جل جلاله،
التي تجعل في القلب رهبة تحول بينه وبين الميل إلى الشر، وتجعل منه مدركا لأنعم الله التي أفاض بها على البشرية جمعاء، وأكرم بها كافة بني الإنسان.
فصاحب القلب القاسي لا يتعظ بمواعظ الله، ولا يعتبر بمصارع الأمم، ولا يشكر لله النعم، فهو أعمى البصيرة، سيئ السريرة، فأمره مشين، وسلوكه غير مستقيم، لا يعرف طريق الحق، ولا يدرك نور الحقيقة.
لقد جاء في خطاب قائد المسيرة القرآنية ما ينبه الجميع إلى خطورة ممارسات التحالف الذي تقوده السعودية ضد اليمن، فتقتل من كان في الأسواق والمساجد والصالات بغيا وظلما،
ومن ذلك ما أوضحه قائد المسيرة القرآنية حفظه الله من الاعتداء على الصالة الكبرى،
في ذكرى العزاء التي حصدت فيها الكثير من الأرواح الذين جاءوا لتعزية آل الرويشان في مصيبتهم، ومع أن التعزية مستحبة عند جميع المسلمين، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: “مَن عَزَّى مُصابًا كان له مِثلُ أجْرِه.
فعندما يهب اليمنيون للتعزية عملا بسنة نبيهم فذلك دليل كرم أخلاقهم ورفيع أدبهم وبالغ رحمتهم، ومؤانستهم لأصحاب المصاب وجبر خواطرهم.
فالقسوة والغلظة اللتان تحلّى بهما خصوم اليمن ليست من أخلاق المسلمين، فالغل والقسوة من أخلاق أهل النار، ففي الحديث النبوي: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ ؟ ” قَالُوا : بَلَى. قَالَ : ” كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ “.
فالعتل بضم العين ، والتاء وتشديد اللام: هو الغليظ الجافي، و(الجواظ) بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة: هو الجموع المنوع،
وقيل: الضخم المختال. وقيل: الجواظ الغليظ الفظ، كما في سنن أبي داود.
إن ذلك الاعتداء على اليمن من قبل التحالف الذي تقوده السعودية الصهيونية والمستمر منذ سنوات على اليمن، ليس له ما يبرره، كما وضح ذلك القائد المظفر قائد المسيرة القرآنية.
إن هذا الاعتداء الذي يقوم به أعداء اليمن أثناء شن الحرب على أبناء اليمن يمثل اعتداء على حق الحياة،
فحفظ النفس البشرية وحمايتها من الاعتداء عليها هو ما أوضحه القرآن الكريم، وهذه من المسائل التي لا خلاف عليها، فاستباحة قتل النفوس بغير حق تخرج الإنسان عن دائرة الإيمان،
فقد جاء في القرآن الكريم: {وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ }،
وجاء في سورة المائدة قول الحق سبحانه وتعالى: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}.
فإذا لم يحافظ الانسان على النفس البشرية ترتب على ذلك الهلاك والتلف.
ولهذا كان القتل أكبر الجرائم الإنسانية، باستثناء الكفر.
فسفك الدماء يشكل أبشع أنواع الجرائم، وأكثرها إفسادًا في الأرض.
وقد أوضح النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرمة الدماء في خطبته في حجة الوداع، وسط أيام التشريق،
وقال: إن دماءكم واموالكم واعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، ثم قال ألا هل بلغت اللهم أشهد”، وإشعارًا بقداسة حق الحياة، وحرمة دم الإنسان وماله يقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيت الله الحرام أمام الكعبة قائلاً:
“مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ ؛ مَالِهِ وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا”
ومعلوم من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم إعلانه حرمة الدماء والأموال والأعراض ما يدل على أن احترام الحقوق الإنسانية مظهر من مظاهر سنة من لا ينطق عن الهوى،
ويعتبر ذلك من أرقى مظاهر التدين الصحيح ، ودليلًا على النضج الإنساني، فاحترام حقوق الإنسان مؤشرٌ على سلامة الشخصية من الإصابة بالجشع والطمع والأمراض النفسية.
فالمؤمن السوي هو الذي يقدر قيمة هذه الحقوق، ويبتعد عن ممارسة العسف والشذوذ، لأن ذلك من أنواع السقوط، ولون من ألوان الجاهلية،
ولكن أتباع الصهيونية لا يدركون مدى خطر الاعتداء على النفس البشرية، مع أن القرآن قد حكى وجوب مماثلة العقوبة، حتى فيما هو دون النفس،
فقال سبحانه: {وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ}.
وجاء في التشريعات الوضعية في إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان:
– البشر جميعا أسرة واحدة جمعت بينهم العبودية لله والبنوة لآدم، وجميع الناس متساوون في أصل الكرامة الإنسانية، وفي أصل التكليف والمسؤولية دون تمييز بينهم، بسبب العرق أو اللون أو اللغة أو الجنس.
– يحرم اللجوء إلى إزهاق روح دون مقتضى شرعي
ويحرم اللجوء إلى وسائل تفضي إلى إفناء الينبوع البشري.
– سلامة جسد الإنسان مصونة، ولا يجوز الاعتداء عليها، كما لا يجوز المساس بها إلا بمسوغ شرعي، وتكفل الدولة حماية ذلك.
ونشير هنا إلى أن المتتبع لما جاء في السنة النبوية يجد أنها قد سبقت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يقرر : احترام آدمية الإنسان، وأورد قواعد وضوابط لمنع الاعتداء على الإنسان.
وجاء في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية: بأن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق.
وقد انتظمت التشريعات الوطنية الوسائل التي تمنع الاعتداء على الإنسان.
ولكن هذا التحالف الغبي قتل الآلاف من أبناء اليمن، غير مكترث ولا محترم لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء، ولا ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا ما نظمته التشريعات في مختلف البلدان.
فإذا كان الظلم كله سيئا فإن الظلم الذي يمارسه التحالف السعودي على إخوتهم في اليمن منذ أكثر من اثني عشر عامًا هو من أسوأ أنواع الظلم ،
فالظلم ترجع عاقبته على صاحبه، ولهذا قيل: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها
ان الليالي لا تدوم لظالم ** فلكل جبار أتاه بوار
والحق أن طال المدى متأخرا ** فلسوف تظهر شمسه الأنوار
ما خاب قوم أخلصوا في سعيهم ** واستمسكوا بالصبر وهم أبرار
وسيكتب التاريخ يوم نهوضنا ** أن الهدى يعلي به الجبار
فالحق يبقى شامخا في أهله** والباطل المنهار يا أحرار
إن اليمن بفضل الله ثم بفضل قيادته الحكيمة بقيادة قائد المسيرة القرآنية قادرة على أن ترد الصاع صاعين.
وإذا كانت الأمة الإسلامية تحيط بها الأخطار وتتربص بها الصهيونية وأذنابها فإنه ينبغي لمن لج في عدوانه، وتعالى في كبره وسلطانه وظلم في اليمن إخوانه أن يعود عما وقع فيه، ويرفع حصاره ويدفع التعويضات اللازمة لرد اعتباره.
فالزعيم الذي تأخذه العزة بالإثم يقع في سوء التدبير، وإن كثر ماله وعظم جاهه، واتسعت معلوماته تشتت أحواله،
فلم يضرب الله الأمثال في القرآن عبثًا، ففي سورة الأنعام: {أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَ جَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ}،
وفي سورة الفجر: {أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ، وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ، وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ }.
فالعدل أساس البقاء، والظلم نذير الفناء، ومن أراد الأمن لنفسه، والاستقرار لشعبه، والرفعة لأمته فليلزم ميزان العدل في قوله وفعله، فإن الله يمهل الظالم ولا يهمله،
وإذا أخذ الظالم لم يفلته، والعاقل من أتعظ بغيره قبل أن يكون عبرة لغيره: { وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.

