بيت السحيمي.. وراء المشربية كانت حياة كاملة | حكايات النساء في القاهرة القديمة

كتبت: داليا حسام
في القاهرة القديمة، لم تكن البيوت مجرد جدران تحمي أهلها من ضجيج الشوارع، لكنها كانت عوالم كاملة لها قوانينها وخصوصيتها وطقوسها.
ومن خلف بابٍ يبدو للمارّ عاديًا، كان يمكن أن تبدأ حياة لا يراها أحد.
وفي حارة الدرب الأصفر، المتفرعة من شارع المعز لدين الله الفاطمي، يقف بيت السحيمي واحدًا من أشهر نماذج البيوت السكنية في القاهرة العثمانية،
محتفظًا حتى اليوم بتفاصيل تكشف كيف كان البيت ينظم الحياة اليومية، وكيف كان للنساء عالمهن الخاص خلف المشربيات والأبواب.

بيت السحيمي.. بيت لم يُبنَ مرة واحدة
البيت الذي نراه اليوم لم يظهر في يوم واحد.
فقد أنشأ الشيخ عبد الوهاب الطبلاوي القسم الأول من البيت سنة 1058هـ/1648م،
ثم أنشأ الحاج إسماعيل جلبي القسم الثاني سنة 1211هـ/1796م، وجرى دمج القسمين ليصبحا بيتًا واحدًا.
أما اسم «السحيمي»، فجاء من آخر من سكن البيت، وهو الشيخ محمد أمين السحيمي، أحد كبار علماء الأزهر وشيخ رواق الأتراك في العصر العثماني.
وفي سنة 1349هـ/1931م، باع ورثة السحيمي البيت إلى لجنة حفظ الآثار العربية بمبلغ ستة آلاف جنيه.
لكن اسم الرجل الذي بقي على الباب لا يحكي وحده قصة البيت.
فالبيت نفسه يحمل في تفاصيله شيئًا من حكاية النساء اللاتي عشن داخله.

هنا كان للبيت وجهان
في تخطيط بيت السحيمي يظهر بوضوح الفصل بين فضاء استقبال الرجال وفضاء الحياة الخاصة للأسرة.
وكان الجزء المخصص لاستقبال الضيوف من الرجال يُعرف باسم السلاملك، بينما خُصص الحرملك للنساء.
وهنا تصبح العمارة نفسها شاهدًا على نظام اجتماعي كامل.
فالمرأة لم تكن تعيش في مكان منفصل عن البيت، لكنها كانت تملك داخله مساحة أكثر خصوصية، لها نوافذها ومجالسها وعالمها اليومي.

ومن أجمل ما يكشف هذه الخصوصية المشربية.
فهي لم تكن مجرد عنصر زخرفي جميل في واجهة البيت؛ إذ سمح تصميمها لمن في الداخل بالرؤية مع الحفاظ على قدر من الخصوصية،
وهو ما جعلها عنصرًا أساسيًا في العمارة السكنية التقليدية في القاهرة.
ومن خلف هذه المشربيات، كان يمكن للنساء أن يكنّ جزءًا من الحياة المحيطة بالبيت، من دون أن تتحول حياتهن الخاصة إلى مشهد مكشوف للشارع.
تفاصيل صغيرة تحكي عن حياة النساء
ومن أكثر الأشياء دلالة داخل بيت السحيمي وجود كرسي الولادة، وهو أحد العناصر التي ما زالت محفوظة بالمنزل.

وجود هذا العنصر لا يسمح لنا باختراع قصة عن امرأة بعينها أو عن واقعة ولادة محددة، لكنه يقدم شاهدًا ماديًا على جانب من الحياة المنزلية في ذلك الزمن.
فالبيت لم يكن مكانًا للنوم فقط، وإنما كان فضاءً للحياة بكل تفاصيلها؛
من استقبال الضيوف إلى إدارة شؤون المنزل، ورعاية الأسرة، والولادة، وتوفير المياه والطعام والعمل اليومي.

حتى الحديقة لم تكن مجرد منظر جميل.
فالبيت كان يحتوي على آبار لتوفير المياه، وساقية لري الحديقة، وما زال ترسها الخشبي موجودًا، كما توجد به طاحونة للحبوب كانت تُدار بواسطة ثور.
أي أن جزءًا كبيرًا من احتياجات الحياة اليومية كان يمكن أن يُدار من داخل البيت نفسه.
المرأة التي لا نعرف اسمها
وهنا ربما تكون أجمل حكايات بيت السحيمي هي الحكاية التي لم يصلنا اسم بطلتها.
لا نملك اليوم أسماء كل النساء اللاتي عشن داخل البيت، ولا يجوز أن ننسب إليهن تفاصيل شخصية لم تحفظها الوثائق.
لكننا نستطيع أن نقرأ آثار وجودهن في المكان.
في الحرملك، وفي المشربيات، وفي الحمام، وفي كرسي الولادة، وفي تفاصيل البيت الذي صُمم بحيث يمنح الحياة الخاصة مساحة تحميها من أعين الخارج.
وهكذا تصبح العمارة نفسها وثيقة صامتة.
لا تقول لنا:
«هذه كانت فلانة»..
لكنها تقول شيئًا آخر أكثر اتساعًا:
هنا عاشت نساء.
نساء لم تحفظ كتب التاريخ أسماء كثير منهن، لكن البيت حفظ شيئًا من شكل حياتهن.

من وراء الباب إلى ذاكرة القاهرة
بيت السحيمي اليوم أثر تاريخي مفتوح للزيارة، لكنه بالنسبة إلى هذه السلسلة ليس مجرد مبنى جميل من العصر العثماني.
إنه فرصة لننظر إلى القاهرة القديمة من زاوية أخرى؛ زاوية البيت من الداخل، والمرأة التي كانت تعيش في قلب هذا العالم، بعيدًا عن الصورة الرسمية التي غالبًا ما تحتفظ بها كتب التاريخ.
فالتاريخ ليس فقط قصور السلاطين وأسماء الحكام والمعارك.
أحيانًا يكون التاريخ في مشربية، أو كرسي ولادة، أو فناء تتوسطه حديقة، أو غرفة كانت امرأة تجلس فيها بعيدًا عن عيون المارة.
وهنا تبدأ حكاياتنا مع بيوت القاهرة القديمة…
فالبيت التالي قد يحمل اسم امرأة، وقد تكون حكايته واحدة من المرات التي استطاعت فيها صاحبة البيت أن تترك اسمها على بابٍ بقي قرونًا بعد رحيلها.

