الظافر والقاهر.. حقيقة منظومة الصواريخ المصرية في الستينيات
الرئيسية » الظافر والقاهر.. حقيقة منظومة الصواريخ المصرية في الستينيات
مقالات

الظافر والقاهر.. حقيقة منظومة الصواريخ المصرية في الستينيات

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

الظافر والقاهر.. حقيقة منظومة الصواريخ المصرية في الستينيات

 

بقلم الكاتب والمؤرخ العسكري

د. أحمد علي عطية الله

 

شهدت فترة الستينيات من القرن الماضي نهضة صناعية غير مسبوقة في المجالين المدني والعسكري،

وكانت مصر في ذلك الوقت تخوض تجربة طموحة لبناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على إنتاج تقنيات متقدمة،

لا تقتصر على الاحتياجات المدنية، وإنما تمتد إلى الصناعات العسكرية أيضًا.

 

ومن أبرز المشروعات التي ارتبطت بتلك المرحلة مشروع الصواريخ المصرية «الظافر والقاهر»،

إلى جانب مشروع تصنيع الطائرات النفاثة في مصنع الطائرات بحلوان.

 

وظلت حقيقة هذه المنظومة الصاروخية محل جدل طويل؛

فهل كانت الصواريخ المصرية موجودة بالفعل وتم اختبارها، أم كانت مجرد مشروع دعائي بهدف الردع وإظهار القدرة العسكرية؟

 

هذه المادة تحاول الاقتراب من الإجابة من خلال ما ورد في الدراسات والروايات الفنية والعسكرية المتعلقة بالمشروع.

 

القاهرة 200.. بداية مشروع الطائرات النفاثة

 

إذا انتقلنا إلى التصنيع العسكري في تلك الفترة، نجد أن مصر تبنت مشروعين عملاقين.

 

كان الأول هو تصنيع طرازين من الطائرات النفاثة في مصنع الطائرات بحلوان، بمعاونة خبراء ألمان.

 

الطراز الأول كان طائرة التدريب المتقدم «القاهرة 200»، التي صُممت لتدريب طلبة الكلية الجوية،

وتدرب عليها عدد كبير من الطيارين الذين شاركوا لاحقًا في حرب أكتوبر المجيدة.

 

أما الطراز الثاني فكان الطائرة المقاتلة الأسرع من الصوت «القاهرة 300» أو «حلوان 300»،

وهو المشروع الذي وضع مصر في ذلك الوقت ضمن عدد محدود من الدول التي دخلت مجال تطوير وإنتاج هذا النوع من الطائرات.

 

وقد تم تصنيع ثلاثة نماذج من الطائرة، وأجريت عليها تجارب طيران ناجحة عام 1964.

 

ولا تزال إحدى هذه الطائرات موجودة عند مدخل مصنع الطائرات بحلوان، على يمين الداخل،

بينما توجد طائرة أخرى في متحف الطيران بمدينة ميونخ الألمانية، والنموذج الثالث في متحف القوات الجوية المصرية بمدينة نصر.

 

وتوقف مشروع الطائرة «حلوان 300» عام 1969.

 

الظافر والقاهر.. مشروع الصواريخ المصرية

 

أما المشروع الثاني، فكان تصنيع طرازين من الصواريخ بعيدة المدى تحت اسمي «الظافر» و«القاهر».

 

وبحسب المعلومات الواردة في المادة، كان مدى الظافر يبلغ نحو 350 كيلومترًا، بينما قُدر مدى القاهر بنحو 600 كيلومتر.

 

ومنذ ذلك الوقت، دار جدل واسع حول حقيقة هذه الصواريخ؛ فهناك من اعتبرها مشروعًا صاروخيًا حقيقيًا،

بينما رأى آخرون أنها كانت محاولة دعائية للردع والترهيب وإظهار امتلاك مصر لقدرات صاروخية بعيدة المدى.

 

لكن بعيدًا عن الجدال السياسي والإعلامي، يمكن النظر إلى المسألة من زاوية فنية وعلمية.

 

ما علاقة الظافر والقاهر بالصاروخ الألماني V-2؟

 

وفق الرأي العلمي الوارد في بحث المستشار العلمي الدولي محمد النمر (Consultant Scientist: Mohamed Elnemr)،

فإن الصاروخين المصريين كانا تطويرًا لتقنيات الصاروخ الألماني V-2،

خصوصًا من حيث الحجم ونظام الدفع والمدى، مع وجود تشابهات مع الصاروخ الفرنسي Véronique.

 

وكان الصاروخ الألماني V-2 يعتمد في توجيهه على الجيروسكوبات، حيث يطلق بصورة رأسية للوصول إلى الارتفاع المطلوب،

ثم يقوم بمناورة باتجاه الهدف، ويستمر في الطيران بالقصور الذاتي حتى إصابته.

 

وبحسب هذا التفسير، فإن الصاروخين المصريين «الظافر» و«القاهر» كانا يطلقان رأسيًا ويعتمدان على التوجيه باستخدام الجيروسكوبات.

 

الجيروسكوب ودقة توجيه الصواريخ

 

لفهم طبيعة الصواريخ في ذلك العصر، لا بد من التوقف أمام واحدة من أهم مشكلات أنظمة التوجيه القديمة، وهي الجيروسكوبات.

 

والجيروسكوب جهاز يستخدم للمحافظة على الاتجاه والاتزان، إلا أنه يتعرض لظاهرة فيزيائية تعرف باسم Precession،

أو الحركة الترنحية، والتي تؤدي إلى تغير تدريجي في اتجاه محور الدوران.

 

ويشير الرأي العلمي الوارد في المادة إلى أن هذا الانحراف يمكن أن يؤثر في دقة الصاروخ، وأن مقدار الانحراف يرتبط بعدة عوامل، من بينها:

– زمن عمل محرك الصاروخ.

– المسافة التي يقطعها الصاروخ.

– دقة تصنيع الجيروسكوب.

– توزيع الكتلة بصورة متوازنة.

– سرعة دوران الجيروسكوب.

 

ووفق الحسابات الواردة في الدراسة، كانت الصواريخ الباليستية في تلك الحقبة تواجه تحديات في الدقة،

مع تقدير عام للانحراف يتراوح بين متر ومترين لكل كيلومتر من مدى الصاروخ.

 

المدى الفعلي للظافر والقاهر

 

وبحسب الحسابات الواردة في البحث، فإن المدى الذي كان يمكن تحقيقه من خلال حساب حجم الوقود،

ومعامل الاحتراق، والوزن الكلي والهيكلي للصاروخ، يصل إلى نحو:

 

280 كيلومترًا لصاروخ الظافر، و320 كيلومترًا لصاروخ القاهر.

وتشير الدراسة إلى أن هذا المدى كان يعني احتمال حدوث انحراف في إصابة الهدف،

ويورد البحث تقديرًا للانحراف في صاروخ القاهر بنحو 650 مترًا.

 

وكان الرأس الحربي للقاهر، بحسب المعلومات الواردة في المادة، يزن نحو 909 كيلوجرامات.

 

وفي حالة استخدام متفجرات تقليدية مثل TNT، يرى صاحب الدراسة أن هذه الكمية يمكن أن تؤثر في منطقة واسعة حول نقطة الانفجار.

 

لماذا كانت الصواريخ الباليستية تحتاج إلى دقة أكبر؟

 

تتصل مشكلة الدقة بأهمية نوع الرأس الحربي المستخدم.

 

فكلما كانت دقة الصاروخ محدودة، احتاجت المنظومة إلى رأس حربي ذي قدرة تدميرية أكبر لتحقيق التأثير المطلوب على الهدف حتى مع وجود انحراف عن نقطة الإصابة.

 

ولهذا يشير البحث إلى أن بعض الدول التي طورت الصواريخ الباليستية في تلك الحقبة اتجهت إلى تسليحها برؤوس نووية،

باعتبار أن قدرتها التدميرية الكبيرة تسمح بتحقيق التأثير المطلوب رغم هامش الخطأ في الإصابة.

 

ويورد البحث مثالًا افتراضيًا لرأس نووي بقوة تعادل 15 ألف طن، باعتباره قادرًا على تدمير منطقة واسعة حول نقطة الانفجار،

وهو ما يتناسب مع طبيعة الصواريخ بعيدة المدى في تلك المرحلة.

 

الجيروسكوبات.. جزء من الصناعة المصرية

 

ومن النقاط المهمة التي يشير إليها البحث أن مصنع هليوبوليس للطائرات

كان يضم قسمًا متطورًا لتصنيع الجيروسكوبات المستخدمة في الطائرة «القاهرة 200»، والطائرة «القاهرة 300»، وكذلك برنامج الصواريخ «الظافر والقاهر».

 

وهذه النقطة، إذا ما وضعت في سياق المشروع الصناعي المصري في تلك الفترة،

تعكس محاولة لبناء قاعدة تقنية تتجاوز مجرد تجميع المعدات، إلى تصنيع بعض المكونات المهمة داخل مصر.

 

هل كانت الصواريخ المصرية تطير بلا اتجاه؟

 

من أكثر الأقوال التي أثيرت حول «الظافر والقاهر» أن الصواريخ كانت تطلق، لكن لم يكن أحد يعرف اتجاه طيرانها.

 

ويعتبر الرأي العلمي الوارد في المادة أن هذا القول غير دقيق من الناحية العلمية.

 

فوفق هذا الرأي، فإن تصميم الهيكل الخارجي للصاروخ، من المقدمة وحتى الزعانف،

كان يهدف إلى تحقيق الاتزان بين مركز ثقل الصاروخ ومركز الضغط الناتج عن شكل الهيكل، بما يساعد على استقرار الصاروخ أثناء الطيران.

 

وبالتالي، فإن وجود هامش خطأ في أنظمة التوجيه لا يعني أن الصاروخ كان يطير بصورة عشوائية أو بلا اتجاه.

 

وهنا ينتهي الجانب العلمي من الرأي الذي استندت إليه هذه المادة في تقييم منظومة الصواريخ المصرية.

 

لماذا لم تستخدم مصر الظافر والقاهر في حرب يونيو 1967؟

 

أما السؤال الأكثر أهمية فهو:

 

إذا كانت الصواريخ موجودة بالفعل، فلماذا لم تستخدم في حرب يونيو 1967؟

 

يرى الكاتب أن ذلك ربما ارتبط بأسباب سياسية وعسكرية،

في مقدمتها الخوف من النتائج التي يمكن أن تترتب على استخدام صواريخ بعيدة المدى ضد أهداف داخل المدن،

وما قد يترتب على ذلك من سقوط ضحايا بين المدنيين.

 

كما يرى أن استخدام تلك الصواريخ كان يمكن أن يؤدي إلى تحرك دولي ضد القيادة السياسية المصرية،

وربما يفتح المجال أمام الولايات المتحدة لتقديم أسلحة أكثر قوة وفتكًا لإسرائيل واستخدامها ضد العمق المصري.

 

وهذا يظل تفسيرًا وتحليلًا للكاتب وليس حقيقة موثقة بشكل مستقل ضمن المادة.

 

السادات والصواريخ المصرية في حرب أكتوبر

 

أما الرئيس الراحل محمد أنور السادات، فقد أشار خلال حرب أكتوبر إلى قدرة مصر الصاروخية،

ولوّح بإمكانية استخدامها ضد إسرائيل إذا تعرض العمق المصري للهجوم.

 

وبحسب المقطع المرفق من خطاب السادات، فقد تحدث عن أن إسرائيل إذا فكرت في ضرب العمق المصري،

فإن الصواريخ المصرية العابرة لسيناء ستكون جاهزة في قواعدها، وموجهة إلى أهدافها في عمق إسرائيل.

 

وجاء في حديثه المعنى الشهير:

 

«العين بالعين، والسن بالسن، والعمق بالعمق».

 

ويشير الكاتب إلى أن هذا الموقف يمثل جانبًا مهمًا في فهم طبيعة الردع الذي كانت القيادة المصرية تحاول إظهاره خلال حرب أكتوبر.

 

لماذا كتبت عن الظافر والقاهر؟

 

لم أكتب هذه السطور لمجرد استعادة مشروع عسكري من الماضي، وإنما لسببين أساسيين.

 

الأول: محاولة إزالة الغموض والالتباس عن فترة تاريخية مهمة من تاريخ مصر،

وتسليط الضوء على أحد المشروعات العسكرية والتكنولوجية التي ارتبطت بمرحلة الستينيات.

 

والثاني: أن يثق أبناؤنا في أنفسهم وفي قدرات بلدهم.

 

فما استطعنا تحقيقه قبل أكثر من نصف قرن، في ظروف كانت شديدة الصعوبة،

يبعث برسالة واضحة مفادها أن الإنسان المصري قادر على التعلم والتطوير وصناعة التكنولوجيا متى توافرت الإرادة والعلم والعمل.

 

لقد كانت مشروعات القاهرة 200 والقاهرة 300 والظافر والقاهر جزءًا من مرحلة طموحة حاولت فيها مصر بناء قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة.

 

وقد لا تكون كل المشروعات قد اكتملت أو استمرت، لكن مجرد خوض هذه التجربة في ذلك الزمن يظل فصلًا مهمًا من تاريخ التصنيع العسكري المصري.

 

والرسالة التي يجب أن تصل إلى الأجيال الجديدة ليست أن الماضي كان كاملًا، وإنما أن الطموح والعلم والعمل قادرون على نقل الدولة من موقع إلى آخر.

 

فما استطعنا تحقيقه منذ أكثر من نصف قرن، نستطيع بإذن الله أن نحقق ما هو أفضل منه، بسواعد أبنائنا وعقولهم، وبالوقوف داعمين خلف دولتنا.

 

وإن شاء الله نرى مصر قريبًا في مصاف الدول المتقدمة اقتصاديًا وعلميًا وعسكريًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *