خلف أبواب عابدين.. نازلي حين سقط اللقب وبقيت الأم
داليا حسام – كاتبة و إستايلست
في الحلقة اللي فاتت، وقفنا عند باب جناح نازلي في قصر عابدين، وحاولنا نشوف المرأة اللي كانت خلف لقب «الملكة».
لكن نازلي ما كانتش مجرد امرأة ارتدت تاجًا ثم جلست في القصر.
كانت أمًّا لخمسة أبناء، وأمًّا لولد سيصبح ملكًا، وأربع بنات حملت كل واحدة منهن جزءًا من حكاية الأسرة المالكة.
وعشان كده، لو عايزين نفهم نازلي فعلًا، لازم نبعد شوية عن الصور الرسمية والمجوهرات والفساتين، ونشوفها في
المكان اللي كان أصعب من كل قاعات المراسم:
مكان الأم.
لأن الملكة ممكن ينتهي دورها بانتهاء المناسبة…
لكن الأم، حتى وهي واقفة خلف أبواب القصر، تفضل أمًّا.
1. من زوجة الملك إلى أمّ الملك
لما توفي الملك فؤاد في أبريل 1936، تغير موقع نازلي داخل القصر في لحظة واحدة.
لم تعد فقط زوجة الملك.
أصبح ابنها فاروق هو الملك.
وكان فاروق وقتها شابًا في السادسة عشرة، وكان موجودًا في بريطانيا لاستكمال تعليمه، فوصل إليه خبر وفاة والده وخلافته للعرش، ثم عاد إلى مصر.
وتصف تقارير صحفية معاصرة لحظة عودته ولقاءه بوالدته الملكة الأم وأخواته في قصر عابدين.
وهنا ظهرت واحدة من أكثر التحولات أهمية في حياة نازلي:
لم تعد الأم بجوار الملك… ابنها نفسه أصبح هو الملك.
والفرق كبير.
لأن الأم التي كانت تربي ابنها داخل الأسرة المالكة أصبحت فجأة أمًّا لرجل يجلس على العرش، وتتحول كل خطوة حوله إلى شأن عام.
لكن مهم هنا نصحح حاجة اتقالت كتير عن نازلي:
نازلي لم تكن عضوًا في مجلس الوصاية على العرش.
الوصاية كانت لها تشكيلها الدستوري الخاص، بينما ظلت نازلي في موقعها كـالملكة الأم، أي والدة الملك الشاب، داخل الأسرة المالكة.
واللقب في حد ذاته كان كافيًا ليضعها في قلب المشهد.
2. خمسة أبناء.. وخمس حكايات مختلفة
أنجبت نازلي للملك فؤاد خمسة أبناء:
فاروق، وفوزية، وفايزة، وفائقة، وفتحية.
خمسة أبناء، لكنهم لم يعيشوا الحكاية نفسها.
فاروق كان الابن الوحيد والوريث الذي أصبح ملكًا.
وفوزية خرجت من القصر إلى إيران،
وتحولت قصتها إلى واحدة من أكثر قصص الأميرات المصريات شهرة في القرن العشرين.
وفايزة وفائقة وفتحية ظللن جزءًا من الحياة الملكية، إلى أن أخذت الأحداث السياسية والعائلية كل واحدة منهن إلى طريق مختلف.
وهنا تظهر نازلي في صورة مختلفة.
فهي لم تكن فقط «ملكة» محاطة بالحاشية.
كانت أمًّا لديها أبناء لهم مستقبل، وزيجات، وسفر،
وأزمات، وقرارات ستؤثر في شكل الأسرة كلها.
والأجمل في قراءة هذه المرحلة إننا ما نحاولش نحط مشاعر في قلب نازلي من عندنا.
التاريخ لا يملك أن يقول لنا ماذا كانت تشعر في كل لحظة
لكن يملك أن يرينا ما الذي حدث حولها.
وما حدث كان كثيرًا.
3. فاروق.. الابن الذي أصبح ملكًا
ربما أصعب علاقة في حياة نازلي كانت علاقتها بابنها فاروق.
مش لأنها كانت أم الملك فقط…
لكن لأن العلاقة بين الأم والابن تحولت إلى علاقة داخلها سلطة وتقاليد ومصالح دولة وأسرة ملكية.
في البداية كان فاروق شابًا صغيرًا عاد من إنجلترا ليجد نفسه فوق العرش.
وفي الوقت نفسه كانت والدته هي الشخص الذي يعرفه منذ طفولته، قبل أن يصبح «صاحب الجلالة».
وهنا يوجد تناقض إنساني شديد:
كيف تتعامل أم مع ابنها عندما يصبح العالم كله مطالبًا بأن يعامله كملك؟
التاريخ لا يعطينا إجابة واحدة.
لكن الأحداث اللاحقة تكشف أن المسافة بين الاثنين لم تظل كما كانت.
ومع مرور السنوات، بدأت القرارات الشخصية داخل الأسرة الملكية تتحول إلى أسباب للخلاف.
وهنا بالتحديد لازم نفرّق بين الروايات التاريخية المختلفة، وبين ما نستطيع إثباته.
لأن نازلي، مثلها مثل فاروق، تحولت بعد سنوات إلى شخصية تحيط بها روايات كثيرة، وبعضها يحمل تفسيرًا أو حكمًا أكثر مما يحمل وثيقة.
وعشان كده، في حكاية نازلي، الوقائع أهم من الحكايات المتداولة.
4. الأم التي كانت تقف خلف بناتها أيضًا
لو كان فاروق هو الابن الذي حمل العرش، فإن بنات نازلي حملن حكايات أخرى.
فوزية كانت صاحبة أشهر انتقال من قصر مصري إلى بلاط أجنبي عندما تزوجت ولي عهد إيران محمد رضا بهلوي.
وفي زفافها عام 1939، تظهر نازلي مرة أخرى في قلب الحدث، ليس فقط بصفتها ملكة أم، ولكن بصفتها أم العروس.
وتسجل الوثائق البريطانية الخاصة بالزفاف وجود نازلي مع ابنتها في إيران، ثم عودتها مع الأميرات بعد انتهاء الاحتفالات الأولى.
لكن فوزية لم تكن الابنة الوحيدة التي ستأخذ نازلي إلى منطقة أكثر تعقيدًا من مجرد حياة القصر.
فبعد سنوات، جاءت حكايات أخرى لبناتها، بعضها انتهى داخل مصر، وبعضها خرج إلى الخارج.
وبذلك بدأ القصر الذي كان يجمع الأسرة في مكان واحد يتفكك تدريجيًا أمام حركة الحياة نفسها:
زواج.
سفر.
اختلاف.
ثم أحداث سياسية أكبر من الجميع.
5. نازلي.. عندما بدأت حياتها الشخصية تصطدم بحياة القصر
بعد وفاة الملك فؤاد، لم تعد حياة نازلي الشخصية منفصلة بسهولة عن موقعها.
فكل ما يخصها تقريبًا أصبح قابلًا لأن يُقرأ باعتباره شأنًا ملكيًا.
وهنا بدأت مرحلة شديدة التعقيد في حياتها.
ظهرت علاقتها بأحمد حسنين باشا، وهي علاقة تناولتها مصادر كثيرة، واختلفت الروايات حول تفاصيلها ودلالاتها.
لكن الثابت أن العلاقة أصبحت واحدة من أسباب التوتر بينها وبين فاروق، ثم استمر زواجها العرفي من حسنين حتى وفاته في حادث سيارة عام 1946.
وهنا، للمرة الأولى، لم تعد المشكلة مجرد اختلاف داخل أسرة.
بل أصبحت الحياة الخاصة نفسها تصطدم بصورة الملكة الأم ومكانتها داخل العائلة المالكة.
وهو شيء يوضح لنا لماذا كان العيش داخل القصر مختلفًا تمامًا عن العيش خارجه.داخل القصر، حتى الحياة الخاصة كان لها ظل عام.
6. اللحظة التي خرجت فيها نازلي من عابدين
وفي فبراير 1946، توفي أحمد حسنين باشا في حادث تصادم.
وبعدها بفترة قصيرة، بدأت نازلي مرحلة جديدة من حياتها.
غادرت مصر عام 1946 إلى أوروبا، وبرفقتها ابنتاها فايقة وفتحية، ثم استقرت في الولايات المتحدة في العام التالي.
وهنا تنتهي عمليًا علاقتها بالحياة التي عرفناها داخل عابدين.
- لا قاعات استقبال.
- لا مواكب.
- لا حاشية ملكية.
- لا لقب يفتح أبواب القصر.
المرأة التي عاشت سنوات طويلة داخل واحدة من أهم دوائر السلطة في مصر أصبحت تعيش بعيدًا عنها.
وهنا، في رأيي، تبدأ أقوى صفحة في حكاية نازلي.
لأننا للمرة الأولى نستطيع أن نسأل:
ماذا يبقى من الإنسان عندما تسقط عنه كل الألقاب؟
7. الملكة التي لم تعد ملكة
خارج مصر، لم تعد نازلي تعيش حياة الملكة التي عرفتها القاهرة.
ومع الوقت، أصبحت علاقتها بالأسرة وبفاروق أكثر تعقيدًا.
وكانت أزمة زواج ابنتها فتحية من رياض غالي من أكثر الوقائع التي عمقت الخلافات داخل الأسرة.
وبعد ذلك، لم تعد نازلي تحمل المكانة الرسمية نفسها التي كانت لها في مصر.
وهكذا، حدث شيء يبدو غريبًا إذا تأملناه:
المرأة التي كان اسمها يومًا يُذكر قبل اسم الملكات والأميرات داخل القصر، انتهت حياتها في الخارج بعيدًا عن العرش الذي ارتبط اسمها به لسنوات.
لكن نازلي لم تختفِ من التاريخ.
بالعكس.
كلما حاولنا أن نفهم السنوات الأخيرة من الأسرة المالكة، رجعنا إليها.
لأنها كانت موجودة في نقطة تقاطع مهمة جدًا:
بين جيل الملك فؤاد وجيل الملك فاروق.
8. من نازلي الملكة إلى نازلي الإنسانة
نازلي توفيت في لوس أنجلوس يوم 29 مايو 1978.
وبين 1919، عندما أصبحت زوجة للملك فؤاد، و1978،
عندما رحلت بعيدًا عن مصر، كانت حياتها قد مرت بتحولات تكفي لحياة أكثر من امرأة.
زوجة ملك.
أم لخمسة أبناء.
أم لملك.
ملكة أم.
أميرة ابنة ملك.
زوجة وأرملة.
امرأة ارتبط اسمها بقصر عابدين لسنوات.
ثم امرأة غادرت مصر وعاشت ما تبقى من عمرها بعيدًا عن القصر.
ولهذا، لو أردنا أن نختصر نازلي في صورة واحدة، فلن تكون صورة تاج أو عقد أو فستان.
ستكون صورة امرأة تقف عند باب القصر…
وفي الداخل حياة كاملة تركتها وراءها.
وفي النهاية…
يمكننا أن نقول إن نازلي لم تكن شخصية سهلة.
ولم تكن حياتها خطًا مستقيمًا من الملكة إلى الملكة الأم ثم إلى امرأة عادية.
كانت حياتها مليئة بالتحولات، وبعض قراراتها كانت محل خلاف تاريخي، وبعض الروايات حولها ما زالت تختلف من مصدر إلى آخر.
لكن المؤكد أن نازلي كانت واحدة من النساء اللواتي عشن داخل قلب التحول الكبير في مصر الملكية.
شهدت نهاية عهد فؤاد.
وشهدت بداية عهد فاروق.
ورأت أبناءها يغادرون القصر واحدًا وراء الآخر إلى زيجات وممالك وحيوات مختلفة.
ثم غادرت هي نفسها.
وبخروجها، لم يُغلق باب عابدين على نازلي فقط…
بل أُغلقت صفحة كاملة من صفحات الأسرة المالكة.
وهنا نقفل حكاية نازلي.
لكن «خلف أبواب عابدين» لسه فيه أبواب كتير.
لأن القصر لم يكن بيت ملكة واحدة…
كان بيتًا مرّت من داخله ملكات وأميرات، وكل واحدة منهن تركت وراءها حكاية مختلفة.
وفي الحلقة القادمة… هنفتح بابًا جديدًا.
باب امرأة دخلت القصر وهي شابة…
لكنها لم تكن تعرف أن اسمها سيبقى مرتبطًا بآخر ملكات مصر.
فريدة

