صباح الفشل العربي الجميل.. عندما يصبح الانقسام إنجازًا ويصبح التهديد «تخويفًا»!
د. أحمد الجندي — كاتب وباحث علمي
صباح الخير لكل الناجحين جدًا…
صباح الخير لكل الذين اكتشفوا فجأة أن التحذير من انهيار الدول «تخويف»، وأن الحديث عن تفكك المنطقة «مؤامرة»،
وأن كل من يحاول قراءة المشهد الإقليمي مبكرًا لا بد أن يكون إما خائفًا أو فاشلًا أو ــ لا قدر الله ــ يريد أن يفسد علينا فرحتنا.
لكن يبدو أن الواقع نفسه قرر أن يدخل معنا في النقاش!
ففي الأيام الأخيرة، تصاعدت الهجمات الحوثية على السعودية، ووصلت إلى الرياض،
بينما أعلنت الجماعة استهداف مواقع في العاصمة ومنشآت تابعة لأرامكو في ينبع،
في حين قالت السعودية إن دفاعاتها اعترضت صاروخًا باليستيًا وأحبطت هجمات أخرى.
يعني باختصار…
الموضوع لم يعد تغريدة على فيسبوك.
«لا تقلقوا.. مجرد شكّة دبوس!»
الجميل في بعض قراءاتنا السياسية أن الدولة لا تكون في خطر إلا بعد سقوطها!
فقبل السقوط:
««أنت بتخوف الناس ليه؟»»
بعد أول انهيار:
««مين كان يتوقع؟»»
بعد التقسيم:
««الأمور معقدة.»»
وبعد أن يصبح لدينا دولتان وجيشان وحكومتان ومليشيات:
««المهم إن الشعوب حرة!»»
وهكذا نستطيع أن نحول الكارثة إلى إنجاز، والانقسام إلى تنوع، والحرب الأهلية إلى تعددية، والتهجير إلى «ظروف مؤقتة»!
يا سلام على النجاح!
اليمن السعيد.. سعادة لا تُوصف!
كان عندنا يمن واحد.
ثم أصبح لدينا صراع طويل، ومناطق نفوذ متعددة، وقوى مسلحة متنافسة،
وحكومة معترف بها دوليًا وجماعة حوثية تسيطر على مساحات واسعة من البلاد.
ومع التصعيد الحالي، وصل الصراع إلى مستوى يهدد السعودية والملاحة والطاقة أيضًا.
وفي المقابل، يواصل ملايين اليمنيين البحث عن الأمان خارج بلادهم.
لكن لا بأس…
المهم ألا نسمي هذا فشلًا!
نسميه إعادة تشكيل.
أو تحولًا جيوسياسيًا.
وربما، تجربة ديمقراطية غير مكتملة.
أي اسم يصلح، المهم ألا نستخدم الكلمة المخيفة:
الفشل.
وسوريا.. «تحررت» حتى أصبح السؤال: من ماذا وإلى ماذا؟
سوريا أيضًا تقدم لنا درسًا آخر في فن إعادة تسمية الأشياء.
بلد أنهكته الحرب، وتعددت فيه القوى ومناطق النفوذ، ودخلت على أرضه أطراف إقليمية ودولية،
وتعرض نسيجه السياسي والاجتماعي والجغرافي لهزات هائلة.
ثم يأتيك أحدهم ليقول لك:
«سوريا تحررت!»
جميل جدًا.
ولكن عند السؤال عن شكل الدولة، والسيادة، والحدود، ومصير ملايين السوريين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم…
يحدث شيء غريب.
فجأة يصبح السؤال نفسه «تشاؤمًا».
السودان.. نموذج آخر للنجاح المستورد!
والسودان؟
هنا لا نحتاج حتى إلى مؤثرات صوتية.
بلد يعيش حربًا مدمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وأزمة إنسانية هائلة، ونزوحًا واسعًا، وخطرًا مستمرًا على وحدة الدولة.
ومع ذلك، تجد من يقول لك:
«مصر فاشلة!»
طيب…
والسوداني الذي جاء إلى مصر هربًا من الحرب؟
السوري الذي وجد في مصر ملاذًا؟
الليبي الذي ينتظر استقرار بلاده؟
هل هؤلاء أيضًا قرروا فجأة أن يعيشوا في «الدولة الفاشلة» بدلًا من العودة إلى الدول الناجحة جدًا؟
يا جماعة…
واضح أن تعريف النجاح عندنا يحتاج لجنة مراجعة دولية!
ليبيا.. دولتان وحكومتان وجيشان.. ولكن المهم ألا نقلق!
أما ليبيا، فما زالت تعاني الانقسام السياسي والعسكري، ومحاولات إعادة توحيد المؤسسات والقوى المختلفة لم تتوقف.
لكن لا تقلق…
طالما أن هناك نفطًا، ومؤتمرات، ومبادرات، وبيانات سياسية، فكل شيء تحت السيطرة!
- وإذا احتاجت ليبيا إلى إعادة إعمار، فمصر موجودة.
- وإذا احتاجت إلى عمالة، فمصر موجودة.
- وإذا احتاجت إلى شركات، فمصر موجودة.
- وإذا احتاجت إلى ملايين البشر…
فمصر أيضًا موجودة!
ثم يأتيك أحدهم ليخبرك أن مصر لا تعرف شيئًا عن إدارة الأزمات.
يا راجل!
والسعودية الآن؟
هنا ندخل إلى الجزء الذي لم يعد يحتمل كثيرًا من النكات.
فالسعودية تعرضت خلال الأيام الأخيرة لهجمات حوثية أعلنت الجماعة مسؤوليتها عنها،
واستهدفت وفق بياناتها مواقع في الرياض ومنشآت نفطية في ينبع،
بينما أعلنت السلطات السعودية اعتراض صاروخ وإحباط هجمات أخرى.
وفي الوقت نفسه، تعرض خط أنابيب شرق–غرب لأضرار،
وهو الخط الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر،
ويتيح للمملكة تجاوز المرور عبر مضيق هرمز في تصدير جزء من النفط.
والنتيجة بدأت تظهر في الأسواق.
رويترز نقلت أن أرامكو أبلغت ما لا يقل عن شركتين أوروبيتين بعدم توفير شحنات الخام المقررة لشهر أكتوبر،
بعد الأضرار التي لحقت بالخط وتعطل بعض عمليات الشحن من ينبع،
فيما اتجه مشترون أوروبيون إلى البحث عن بدائل من بينها خام بحر الشمال.
يعني…
لم تعد الحكاية مجرد صاروخ في السماء.
- هناك نفط.
- وهناك موانئ.
- وهناك خطوط أنابيب.
- وهناك تأمين ونقل وأسعار وأسواق أوروبية.
- وهناك شتاء قادم.
وهنا تحديدًا تصبح كلمة «تخويف» أقل فائدة من كلمة استعداد.
لا.. الـ7 ملايين برميل ليست «اختفت»!
وهنا لازم نكون دقيقين.
خط شرق–غرب تصل طاقته القصوى إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا، لكن هذا لا يعني أن 7 ملايين برميل من الإنتاج السعودي والعالمي توقفت فجأة.
الخط ينقل النفط إلى البحر الأحمر، وتعطله يخلق اختناقًا في مسار التصدير، ويمكن تعويض جزء من التدفقات من طرق ومخزونات ومسارات أخرى.
لكن المشكلة أن استمرار التعطل لفترة طويلة يرفع الضغط على الأسواق ويزيد تكلفة البحث عن بدائل.
وهذا بالضبط هو الفرق بين التحليل و«التهويل».
التحليل يقول:
هناك خطر على الإمدادات والأسعار.
أما التهويل فيقول:
غدًا لن نجد نقطة بنزين!
والفرق بينهما ليس صغيرًا.
أوروبا بدأت تبحث عن البديل
الموضوع لم يتوقف عند السعودية.
فبعض المشترين الأوروبيين بدأوا بالفعل البحث عن خامات بديلة،
ونقلت رويترز أن شركة أورلن البولندية سعت للحصول على خام من بحر الشمال لتعويض جزء من الإمدادات السعودية المتأثرة.
أي أن أزمة الطاقة لا تحتاج إلى أن تتوقف كل آبار العالم.
يكفي أن تتعطل بعض الطرق المهمة في الوقت الخطأ.
وهنا تتحول الجغرافيا إلى اقتصاد.
ويتحول الصاروخ إلى فاتورة.
و الحرب في مكان بعيد إلى سعر وقود في مكان آخر.
أمريكا موجودة.. ولكن السؤال: ماذا ستفعل؟
وهنا يأتي السؤال الأصعب.
ماذا تفعل الولايات المتحدة تجاه التصعيد الحوثي ضد السعودية؟
هل تتحول القواعد العسكرية إلى مظلة حماية كاملة؟
أو يتم استخدام النفوذ السياسي لوقف التصعيد؟
أم أن واشنطن لديها حسابات أخرى مرتبطة بالحرب الأوسع في المنطقة؟
لا توجد إجابة بسيطة.
لكن المؤكد أن التصعيد السعودي–الحوثي أصبح جزءًا من أزمة إقليمية أكبر، وأن واشنطن ليست الطرف الوحيد الذي يتحرك فيها.
والأهم:
لا يمكن لأي دولة أن تبني أمنها بالكامل على افتراض أن الحليف سيخوض كل معاركها نيابة عنها.
كنا نقول «الخطة ج».. فضحك البعض!
منذ سنوات، كان الحديث عن احتمالات تفكيك المنطقة وإضعاف الدول والجيوش والمؤسسات يُقابل أحيانًا بالسخرية.
«أنت بتخوفنا.»
«عايزنا نسكت على الفشل.»
«مفيش مؤامرة.»
«سيب الناس تعيش.»
حسنًا…
أنا لا أقول إن كل ما يحدث نتيجة «خطة سرية واحدة» مرسومة على مكتب شخص واحد.
هذه قراءة تحتاج أدلة.
لكنني أقول شيئًا أبسط:
انظر إلى النتيجة.
دول ممزقة.
جيوش متعددة.
مناطق نفوذ.
حدود رخوة.
مليشيات.
لاجئون.
صراعات على الموانئ والطاقة.
وتدخلات إقليمية ودولية.
إذا لم تكن هذه أسبابًا كافية للقلق، فما الذي ننتظره؟
أما مصر «الفاشلة»…
وهنا أصل الحكاية.
مصر التي يوصف اقتصادها ومؤسساتها وأداؤها بكل الصفات الممكنة…
هي نفسها التي استقبلت ملايين الفارين من أزمات المنطقة.
و التي تقع في قلب خطوط التجارة والطاقة.
كذلك تمتلك قناة السويس، وساحلًا طويلًا على البحرين الأحمر والمتوسط، وبنية تحتية ومؤسسات دولة وجيشًا واحدًا.
هل مصر بلا مشاكل؟
طبعًا لا.
هل لديها أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية؟
بالتأكيد.
لكن الفرق بين انتقاد الدولة وبين تدمير الدولة يجب ألا يضيع وسط الصراخ.
- يمكن أن تنتقد.
- يمكن أن تختلف.
- يمكن أن تطالب بالإصلاح.
لكن حين تصبح الدولة نفسها هي الهدف…
فالسؤال ليس:
«هل مصر ناجحة أم فاشلة؟»
السؤال:
«ماذا سيحدث لو لم تعد هناك مصر أصلًا بالشكل الذي نعرفه؟»
وبالمناسبة.. مبروك لمصر للطيران!
حتى لا نكون من جماعة «الفشل الكامل»…
هناك خبر جميل يستحق الذكر.
مصر للطيران حصلت في تصنيف Skytrax لعام 2026 على جائزة «شركة الطيران الأكثر تحسنًا في العالم»،
وقفز ترتيبها إلى المركز 46 عالميًا بعد أن كانت في المركز 68 عام 2025، لتدخل قائمة أفضل 50 شركة طيران عالميًا وفق التصنيف.
يعني الشركة الفاشلة جدًا…
تحسنت 22 مركزًا!
لكن طبعًا كان ينقصها أن توزع مع التذكرة سريرًا ووسادة وبطانية وموظفًا يعتذر لك عن تاريخ البشرية كله! 😂
الخلاصة: صباحكم جميل!
أنا لا أطلب من أحد أن يحب الحكومة.
ولا أطلب من أحد أن يصفق.
أو أن يتوقف عن النقد.
بالعكس…
انتقدوا.
لكن افصلوا بين نقد الأداء وبين تمني انهيار الدولة.
وفرّقوا بين التحذير والتخويف.
و قراءة الواقع وبين صناعة الرعب.
و بين الإصلاح وبين الهدم.
فالمنطقة حولنا تقدم درسًا قاسيًا جدًا:
الدولة عندما تكون لديها مشاكل يمكن إصلاحها.
أما عندما تختفي الدولة نفسها…
فستبحث عن الإصلاح ولن تجد من تصلح عنده شيئًا.
أما الذين يرون أن كل تحذير «تخويف»…
فليطمئنوا.
- لا توجد مؤامرة.
- ولا توجد أزمات.
- ولا توجد صواريخ.
- ولا توجد حروب.
- ولا توجد أسعار نفط.
- ولا يوجد لاجئون.
- ولا توجد دول ممزقة.
- ولا يوجد شيء على الإطلاق…
دي مجرد شكّة دبوس! 😉
صباحكم جميل…
واحتفظوا بالدبوس بعيدًا عن خريطة الشرق الأوسط.

