منتدى السلام والأمن الصيني الأفريقي.. مستقبل التعاون الدفاعي بين بكين وأفريقيا
الرئيسية » منتدى بكين للأمن.. كيف تعيد الصين رسم خريطة التعاون الدفاعي مع أفريقيا؟
سياسةمقالات

منتدى بكين للأمن.. كيف تعيد الصين رسم خريطة التعاون الدفاعي مع أفريقيا؟

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

منتدى بكين للأمن.. كيف تعيد الصين رسم خريطة التعاون الدفاعي مع أفريقيا؟

 

نتائج منتدى السلام والأمن الصيني–الأفريقي الرابع وأثرها على مستقبل العلاقات العسكرية والدفاعية والتسليحية

 

تحليل الدكتورة/ نادية حلمي

الخبيرة المصرية في الشؤون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعي الحاكم في الصين والشؤون الآسيوية – أستاذ العلوم السياسية بجامعة بني سويف

 

شهدت العاصمة الصينية بكين، خلال الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر 2026، انعقاد الدورة الرابعة من منتدى السلام والأمن الصيني–الأفريقي، بمشاركة ممثلين عسكريين ومسؤولين دفاعيين من الاتحاد الأفريقي و41 دولة أفريقية، بالتزامن مع انعقاد منتدى شيانغشان الثالث عشر.

 

ويكتسب المنتدى أهمية خاصة في ظل احتفال الصين والدول الأفريقية بمرور سبعين عامًا على بدء العلاقات الدبلوماسية، وفي وقت تشهد فيه القارة الأفريقية تحديات أمنية متزايدة، خصوصًا في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، بالتوازي مع تنامي التنافس الدولي على النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني في القارة.

 

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المنتدى باعتباره منصة لتعميق الحوار الدفاعي بين الصين والدول الأفريقية، وليس مجرد لقاء دوري للمسؤولين العسكريين.

 

من الحوار الأمني إلى شراكات دفاعية أوسع

 

تركزت المناقشات، وفق الطرح الذي قدمته الكاتبة، على تعزيز التنسيق الاستراتيجي وتطوير آليات التبادل الدفاعي والأمن البحري، إلى جانب التعاون في مجالات التدريب وبناء القدرات.

 

ويبرز في هذا السياق تأكيد وزير الدفاع الصيني الأدميرال دونغ جون أهمية تطوير التعاون الدفاعي على أساس المساواة والمنفعة المتبادلة، وهو ما يعكس توجه بكين إلى تقديم شراكات أمنية لا تقتصر على صفقات السلاح، وإنما تمتد إلى التدريب والتأهيل وتبادل الخبرات والتنسيق في مواجهة التحديات الأمنية.

 

وبالنسبة إلى عدد من الدول الأفريقية، يمثل تنويع الشركاء العسكريين أحد المسارات التي يمكن من خلالها توسيع الخيارات المتاحة أمامها في مجالات التسليح والتدريب وبناء القدرات.

 

موريتانيا.. نموذج للتعاون العسكري الصيني–الأفريقي

 

برزت موريتانيا خلال أعمال المنتدى من خلال توقيع مذكرتي تفاهم مع الصين لتعزيز وتطوير التعاون العسكري بين البلدين.

 

وجاء التوقيع خلال لقاء وزير الدفاع الموريتاني حنن ولد سيدي مع نظيره الصيني الأدميرال دونغ جون.

 

وتتضمن مجالات التعاون المطروحة تعزيز القدرات العسكرية والأمنية، ومواجهة تحديات الإرهاب والجريمة المنظمة في منطقة الساحل، إلى جانب التدريب والتعليم العسكري وتبادل الخبرات والمعلومات والتجارب الأمنية.

 

وتعكس هذه الخطوة أحد الاتجاهات المتنامية في العلاقات الدفاعية الصينية–الأفريقية، والمتمثل في الانتقال من التعاون العسكري التقليدي إلى شراكات تشمل التكوين والتدريب وتبادل الخبرات وبناء القدرات.

 

ماذا تريد الصين من التعاون العسكري مع أفريقيا؟

 

يمكن قراءة الحضور الدفاعي الصيني في أفريقيا من خلال ثلاثة أهداف استراتيجية رئيسية:

 

أولًا: المساهمة في تحديث القدرات العسكرية الأفريقية

 

تسعى الصين إلى توسيع حضورها كشريك دفاعي للدول الأفريقية عبر مجموعة من الأدوات، من بينها:

 

– برامج تدريب وتأهيل الضباط الأفارقة.

– التعاون بين المؤسسات والأكاديميات العسكرية.

– نقل الخبرات والمعارف العملياتية.

– توفير معدات ومنظومات تسليح متنوعة.

– دعم قدرات مكافحة الإرهاب والقرصنة.

– التعاون في المجالات الأمنية غير التقليدية.

 

ويمثل التسليح أحد أهم أوجه العلاقة، حيث أصبحت المنتجات الدفاعية الصينية حاضرة في عدد من الأسواق الأفريقية، بما يشمل الطائرات المسيرة والعربات المدرعة وأنظمة الاتصالات وغيرها من المعدات.

 

لكن أهمية التعاون لا تتوقف عند بيع المعدات؛ فالتدريب والصيانة ونقل المعرفة وبناء القدرات تمثل عناصر مؤثرة في استدامة العلاقة الدفاعية.

 

ثانيًا: اكتساب الجيش الصيني خبرات من بيئات أمنية متنوعة

 

تمثل القارة الأفريقية، بتنوعها الجغرافي والأمني، بيئة مهمة للتدريب والتعاون العملياتي بالنسبة إلى الجيش الصيني.

 

وتتيح المشاركة في التدريبات المشتركة وعمليات مكافحة القرصنة وحفظ السلام والتعاون البحري فرصًا للتعامل مع بيئات مختلفة، من المناطق الصحراوية إلى المناطق الساحلية والممرات البحرية الاستراتيجية.

 

كما تمنح المشاركة الصينية في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة خبرات مرتبطة بالعمل متعدد الأطراف والتنسيق بين قوات من دول مختلفة وإدارة الأزمات في بيئات معقدة.

 

ويكتسب الوجود البحري الصيني في جيبوتي أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى موقعها القريب من طرق الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.

 

ثالثًا: حماية المصالح الاقتصادية والاستثمارات الصينية

 

ترتبط المصالح الاقتصادية الصينية في أفريقيا بصورة مباشرة بأهمية الاستقرار الأمني.

 

فالقارة تمثل جزءًا مهمًا من شبكة المصالح التجارية والاستثمارية الصينية، بما فيها مشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل والموانئ والسكك الحديدية.

 

ومن هنا، يصبح أمن خطوط الملاحة والممرات التجارية ومواقع المشروعات والجاليات الصينية أحد الاعتبارات المرتبطة بالحضور الأمني والدفاعي الصيني.

 

وتزداد أهمية هذا العامل مع الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وباب المندب بالنسبة إلى حركة التجارة الدولية.

 

التدريب والمناورات.. البعد العملي للشراكة

 

لا تقتصر العلاقات العسكرية الصينية–الأفريقية على الاجتماعات والمنتديات، وإنما تمتد إلى أشكال متعددة من التعاون العملي.

 

وتشمل هذه المجالات:

 

المناورات المشتركة:

تنفيذ تدريبات عسكرية وأمنية مع عدد من الدول الأفريقية، بما في ذلك تدريبات مرتبطة بمكافحة الإرهاب والعمليات البحرية.

 

حفظ السلام:

المشاركة الصينية في بعثات الأمم المتحدة، بما يوفر مساحة للتعاون مع قوات دولية وأفريقية مختلفة.

 

التدريب العسكري:

استقبال المؤسسات العسكرية الصينية لضباط ومسؤولين أفارقة، بما يعزز التبادل المهني والعسكري.

 

الأمن البحري:

المشاركة في جهود مكافحة القرصنة وتأمين الملاحة في خليج عدن والمناطق البحرية المحيطة.

 

مكافحة الإرهاب:

تطوير قدرات القوات الأفريقية على التعامل مع التنظيمات المسلحة والجريمة المنظمة والتهديدات الأمنية العابرة للحدود.

 

لماذا تزداد أهمية الساحل والقرن الأفريقي؟

 

تفرض التطورات الأمنية في أفريقيا، خصوصًا في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، تحديات تتجاوز حدود الدول منفردة.

 

فالإرهاب والجريمة المنظمة والقرصنة والنزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي يمكن أن تؤثر في الأمن الإقليمي وحركة التجارة والاستثمار.

 

ومن هنا، فإن التعاون الدفاعي الصيني–الأفريقي يمكن أن يتوسع خلال المرحلة المقبلة في مجالات بناء القدرات، والتدريب، والأمن البحري، وتبادل المعلومات، إلى جانب الصناعات الدفاعية والتسليح.

 

لكن طبيعة هذا التعاون ستظل مرتبطة أيضًا بأولويات الدول الأفريقية نفسها، واحتياجاتها الأمنية، وقدرتها على إدارة علاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الدولية.

 

بين الصين والولايات المتحدة.. أفريقيا ساحة تنافس دولي

 

لا يمكن قراءة التوسع الصيني في المجال الدفاعي الأفريقي بعيدًا عن التحولات الأوسع في النظام الدولي.

 

فأفريقيا أصبحت خلال السنوات الأخيرة مجالًا للتنافس بين قوى دولية متعددة على النفوذ الاقتصادي والسياسي والأمني، بينما تحاول دول القارة الاستفادة من تعدد الشركاء وعدم الارتهان لطرف دولي واحد.

 

وفي هذا السياق، تقدم الصين نموذجًا يقوم على الجمع بين الاستثمار والتجارة والبنية التحتية والتعاون السياسي والأمني والعسكري.

 

أما بالنسبة إلى الدول الأفريقية، فإن تنويع الشراكات الدفاعية يمكن أن يوفر لها فرصًا إضافية للحصول على التدريب والمعدات والخبرات، مع الاحتفاظ بهامش أوسع في صياغة سياساتها الأمنية.

 

ماذا بعد منتدى بكين؟

 

تكمن أهمية الدورة الرابعة من منتدى السلام والأمن الصيني–الأفريقي في أنها تأتي في مرحلة تتداخل فيها الملفات العسكرية مع الملفات الاقتصادية والأمنية والتنموية بصورة متزايدة.

 

ومن المتوقع أن تظل مجالات مثل التدريب العسكري، والمناورات المشتركة، والأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، وحفظ السلام، ونقل التكنولوجيا، والتسليح، ضمن أهم مسارات التعاون الصيني–الأفريقي.

 

كما أن استمرار اللقاءات العسكرية رفيعة المستوى يتيح للصين والدول الأفريقية تطوير آليات أكثر انتظامًا للتشاور حول القضايا الأمنية، خاصة في المناطق التي تشهد تهديدات عابرة للحدود.

 

خلاصة التحليل

 

يمكن القول إن منتدى السلام والأمن الصيني–الأفريقي الرابع يمثل محطة جديدة في مسار تطور العلاقات الدفاعية بين بكين وأفريقيا.

 

فالعلاقة لم تعد تقتصر على شراء الأسلحة أو التدريب العسكري، وإنما أصبحت تشمل منظومة أوسع من بناء القدرات والتبادل المهني والأمن البحري وحفظ السلام ومكافحة الإرهاب.

 

وفي المقابل، تنظر الصين إلى أفريقيا باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مهمًا، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، وإنما أيضًا في إطار إعادة تشكيل علاقاتها الدولية وتعزيز حضورها في القضايا الأمنية العالمية.

 

أما الدول الأفريقية، فتسعى من جانبها إلى توسيع خياراتها الدفاعية والأمنية، والاستفادة من تعدد الشراكات في مواجهة التحديات التي تواجهها.

 

وبذلك، فإن نتائج منتدى بكين لا تقف عند حدود الاجتماعات التي عقدت خلال ثلاثة أيام، بل قد تمتد آثارها إلى شكل العلاقات العسكرية والدفاعية والتسليحية بين الصين وأفريقيا خلال السنوات المقبلة، خاصة في مجالات التدريب، وبناء القدرات، والأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، وحفظ السلام، والصناعات الدفاعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *