طائرة النقل العسكري الثقيلة شينوك CH-47F.. العملاق الجوي الذي يحمل المعركة والإنقاذ
بقلم: الكاتب والمؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله
في خطوة جديدة تعكس تطور التعاون العسكري بين مصر والولايات المتحدة،
شهدت الأيام الماضية تسليم مصر دفعة من مروحيات النقل العسكري الثقيل Boeing CH-47F Chinook،
في إطار جهود تحديث قدرات النقل الجوي بالقوات المسلحة المصرية.
وتُعد شينوك CH-47F واحدة من أشهر وأهم مروحيات النقل الثقيل في العالم، بفضل قدرتها على نقل القوات والمعدات والأحمال الضخمة،
إلى جانب استخدامها في الإخلاء الطبي والإنقاذ والإغاثة الإنسانية.
وبحسب شركة بوينج، تعد مصر إحدى الدول التي تشغل مروحيات Chinook،
فيما كانت الشركة قد أعلنت سابقًا عن عقد لتوريد 12 مروحية CH-47F جديدة للقوات الجوية المصرية.
لماذا تُعد CH-47F مروحية مختلفة؟
تعتمد شينوك على تصميم فريد يقوم على وجود دوارين رئيسيين متتاليين، يدور كل منهما في اتجاه معاكس للآخر.
ويمنح هذا التصميم المروحية قدرة عالية على الرفع والمناورة والاستقرار،
كما يلغي الحاجة إلى مروحة ذيل تقليدية، ويوفر مساحة كبيرة داخل المقصورة لنقل القوات والمعدات.
وتصف بوينج شينوك بأنها مروحية متعددة المهام للرفع الثقيل،
تستخدم في نقل القوات والبضائع، والبحث والإنقاذ، والإخلاء الطبي، والعمليات الخاصة والإغاثة أثناء الكوارث.
قمرة قيادة رقمية وإلكترونيات متطورة
تمثل الأنظمة الرقمية إحدى أهم نقاط التطور في CH-47F.
وتستخدم المروحية نظام Common Avionics Architecture System المعروف اختصارًا بـ CAAS،
إلى جانب منظومات رقمية لإدارة الطيران والتحكم فيه، بما يمنح الطاقم قدرة أفضل على متابعة أنظمة المروحية وإدارة مهامها.
كما يمثل نظام Digital Automatic Flight Control System، أو DAFCS، عنصرًا مهمًا في تحسين التحكم والاستقرار وتقليل العبء الواقع على الطيار.
وتشير بوينج إلى أن DAFCS يوفر وظائف للطيار الآلي والتحكم في مسار الطيران،
بينما يجري تطوير قدرات أكثر تقدمًا للهبوط الآلي والمساعدة على التشغيل في الظروف المعقدة.
محركان بقوة هائلة
تعتمد CH-47F على محركين توربينيين من طراز Honeywell T55-GA-714A.
وتبلغ قوة كل محرك 4,777 حصانًا، لتصل القدرة الإجمالية للمحركين إلى أكثر من 9,500 حصان.
وتساعد هذه القوة المروحية على التعامل مع الأحمال الكبيرة والعمل في ظروف تشغيل صعبة.
وتزداد أهمية هذه القدرات عند العمل في المناطق المرتفعة أو في الأجواء الحارة،
حيث تمثل كفاءة المحركات وقدرة الرفع عوامل أساسية في نجاح مهمات النقل الثقيل.
حمولة ضخمة وقدرة على نقل المعدات
من أهم نقاط قوة شينوك قدرتها على حمل أوزان كبيرة داخليًا أو خارجيًا.
وتبلغ الحمولة المفيدة للطراز وفق بيانات بوينج نحو 27,700 رطل، أي ما يقارب 12.6 طن،
مع إمكانية تنفيذ عمليات حمل خارجي للأحمال باستخدام منظومات الرفع المناسبة.
وهذا يسمح باستخدامها في نقل:
– القوات والجنود ومعداتهم.
– الذخائر والمعدات العسكرية.
– المدفعية والأحمال الثقيلة.
– الإمدادات والمواد اللوجستية.
– المعدات المستخدمة في عمليات الإنقاذ.
– المساعدات الإنسانية والإغاثية.
سرعة وقدرة تشغيلية كبيرة
تصل السرعة القصوى المعلنة للطائرة إلى نحو 302 كيلومتر في الساعة، بينما تبلغ سرعة التحليق الاقتصادية نحو 291 كيلومترًا في الساعة.
كما يصل سقف الخدمة إلى نحو 20 ألف قدم، وهي أرقام تمنحها مرونة كبيرة في تنفيذ مهام النقل لمسافات مختلفة وفي ظروف تشغيل متنوعة.
التصميم ثنائي الدوار.. سر القوة
ربما يكون أكثر ما يميز شينوك عن كثير من المروحيات الأخرى هو تصميمها ثنائي الدوار.
فالدواران الموجودان أمام وخلف جسم الطائرة يعملان معًا لتوليد قوة الرفع، بينما يدور كل منهما في الاتجاه المعاكس للآخر.
ويمنح هذا التصميم قدرة كبيرة على التحكم في الطائرة، كما يساعد على الاستفادة من قوة المحركات في الرفع بدلًا من تخصيص جزء منها لمروحة ذيل تقليدية.
وتشير بوينج إلى أن تصميم الدوارين المتتاليين يوفر ثباتًا وتحكمًا جيدًا، خصوصًا في ظروف الرياح، كما يسمح بالعمل على تضاريس غير ممهدة.
ليست مجرد طائرة نقل
رغم أن المهمة الأساسية لشينوك هي النقل الثقيل، فإن تعدد استخداماتها يجعلها عنصرًا مهمًا في العمليات العسكرية والإنسانية على حد سواء.
فيمكن استخدامها في نقل القوات والمعدات بسرعة، وإعادة الإمداد، والإخلاء الطبي، والبحث والإنقاذ،
ونقل المساعدات إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها بالوسائل البرية.
وهذه المرونة هي أحد أسباب استمرار تطوير عائلة Chinook على مدار عقود.
CH-47F Block II.. الجيل الأحدث
لم تتوقف عملية تطوير شينوك عند طراز CH-47F الأساسي.
فقد طورت بوينج نسخة CH-47F Block II التي تتضمن هيكلًا مقوى، ومنظومة نقل حركة محسنة، وخزانات وقود معاد تصميمها،
بما يسمح بزيادة قدرة الرفع وتحسين مدى المهمة.
وتقول بوينج إن Block II ترفع الوزن الأقصى الإجمالي إلى 54 ألف رطل، بزيادة 4 آلاف رطل عن Block I، مع تحسينات في منظومة نقل الحركة والوقود.
كما تواصل الشركة اختبار تقنيات متقدمة للمساعدة الآلية والهبوط الآلي، بهدف تقليل العبء على الطيار وزيادة السلامة والكفاءة التشغيلية.
شينوك في خدمة مصر
يمثل إدخال CH-47F الجديدة إلى الخدمة المصرية خطوة ضمن مسار تحديث أسطول النقل العسكري الثقيل.
وتكتسب هذه النوعية من الطائرات أهمية خاصة بالنسبة لمصر، ليس فقط في المهام العسكرية،
وإنما أيضًا في عمليات الإغاثة ونقل المعدات والاستجابة للكوارث والظروف الطارئة.
ومع امتلاك مصر خبرة سابقة في تشغيل عائلة Chinook، فإن الانتقال إلى CH-47F يمثل تطويرًا لقدرات موجودة بالفعل،
مع الاستفادة من أنظمة إلكترونيات الطيران الحديثة وقدرات الرفع والنقل المحسنة.
من ساحات القتال إلى مهام الإنقاذ
تاريخ شينوك الطويل يؤكد أن قيمتها لا ترتبط بالحرب وحدها.
فقد صُممت لتكون أداة نقل ورفع ثقيل قادرة على الوصول إلى أماكن يصعب على وسائل النقل التقليدية الوصول إليها،
ولذلك تستخدم في عدد كبير من المهام العسكرية والمدنية والإنسانية حول العالم.
وهنا تكمن قوة شينوك الحقيقية: ليست مجرد مروحية ضخمة،
وإنما منصة جوية متعددة المهام تستطيع نقل الجنود والمعدات والإمدادات، أو المشاركة في إنقاذ وإغاثة المتضررين عند الحاجة.
ومع استمرار تطويرها من CH-47F إلى Block II وما بعدها، يبدو أن «العملاق» الأمريكي سيظل حاضرًا في أساطيل النقل العسكري لسنوات طويلة قادمة.

