من الفرجة إلى النقد.. 11 عملا مسرحيا يفتح الحوار في مهرجان الإنتاج النسوي بعنابة
محمد أمير-الجزائر
ستكون مدينة عنابة على موعد مع الدورة الثامنة من مهرجان الإنتاج المسرحي النسوي، بمشاركة 11 عملا مسرحيا تقابلها 11 بطاقة نقدية، في مقاربة لا تكتفي بتقديم العروض أمام الجمهور، وإنما ترافقها بقراءات نقدية تسعى إلى توسيع النقاش حول التجارب المسرحية المقدمة، وفتحها على أسئلة الإبداع والتلقي وتبادل الخبرات.
وتضع هذه الدورة النقد في موقع مواز للعرض، لا باعتباره مرحلة لاحقة للحكم على العمل، وإنما بوصفه امتدادا للتجربة المسرحية نفسها. فلكل عرض بطاقة نقدية ترافقه، بما يتيح مساءلة خياراته الفنية والجمالية، وقراءة مكوناته المختلفة، من النص والإخراج والأداء إلى السينوغرافيا، وصولا إلى طبيعة العلاقة التي يقيمها العرض مع الجمهور.
وتقوم الفكرة على نقل التجربة من فضاء الفرجة إلى فضاء الحوار؛ فالخشبة لا تمثل نهاية المسار، وإنما نقطة انطلاق لنقاش يمكن أن يكشف جوانب جديدة في العمل، ويمنح المبدعات فرصة للحديث عن اختياراتهن وتجاربهن، كما يتيح للنقاد والباحثين والمهنيين والجمهور تقديم قراءات تنطلق من مواقع وخلفيات مختلفة.
ويحمل تخصيص 11 بطاقة نقدية لـ11 عملا مسرحيا دلالة على حضور النقد باعتباره مكونا منظما داخل المهرجان، وليس نشاطا هامشيا موازيا للعروض. فالمقاربة تسعى إلى منح كل تجربة مساحة للتأمل والتحليل، بعيدا عن الاكتفاء بردود الفعل الانطباعية التي تنتهي غالبا بانتهاء العرض.
ولا تتأسس الجلسات النقدية على فكرة إصدار الأحكام، وهو ما تختصره الرؤية المعتمدة في عبارة «النقد ليس حكما.. والنقاش ليس منافسة». فالغاية ليست ترتيب التجارب أو قياس واحدة منها على أخرى، وإنما الإنصات إلى خصوصية كل عمل، وفهم رهاناته الجمالية والفكرية، ومناقشة ما يطرحه من أسئلة.
وتتسع دائرة الحوار لتشمل الفنانات والمبدعات ومحترفي المسرح والباحثين والمختصين والجمهور، بما يسمح بتعدد القراءات وعدم احتكار تفسير العمل من جهة واحدة. فالمسرح، في هذه المقاربة، لا ينتج معناه بصورة مكتملة لحظة العرض، وإنما يتشكل أيضا من خلال التفاعل بين ما تقدمه الخشبة وما يلتقطه المتلقي وما تضيفه القراءة النقدية.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في مهرجان يخصص فضاءه للإنتاج المسرحي النسوي، إذ تتيح للمبدعات ليس فقط تقديم أعمالهن، وإنما أيضا الدخول في حوار مباشر حولها. وهنا يصبح النقد وسيلة لتطوير التجربة، من خلال الاستماع إلى الملاحظات والأسئلة ومناقشة الخيارات الفنية، بما يفتح المجال أمام تراكم الخبرات بدلا من الاكتفاء بالاحتفاء بالعرض.
ومن هذا المنظور، يأتي شعار «نشاهد، نحلل، نتبادل، نبني معا» تعبيرا عن مسار متكامل يبدأ بالمشاهدة، ثم ينتقل إلى التحليل، فالحوار وتبادل التجارب، وصولا إلى التفكير في إمكانات التطوير. وهي رؤية تجعل من المهرجان فضاء للعرض والتفكير معا، وتمنح النقد وظيفة تتجاوز التعليق إلى الإسهام في بناء النقاش المسرحي.
وبين 11 عملا مسرحيا و11 بطاقة نقدية، تحاول الدورة الثامنة أن تجعل لكل عرض مسارا ثانيا يبدأ بعد انطفاء أضواء الخشبة. مسار لا يبحث بالضرورة عن إجابة نهائية أو حكم قاطع، وإنما يراهن على السؤال بوصفه جزءا من الحياة المسرحية، وعلى الحوار باعتباره وسيلة لفهم التجارب وتبادلها وتطويرها.
بهذا المعنى، يصبح المهرجان أكثر من مساحة لعرض الإنتاج المسرحي النسوي؛ إنه فضاء تلتقي فيه الخشبة بالنقد والجمهور، ويتحول فيه العرض من لحظة للفرجة إلى مادة للتفكير، ومن تجربة فردية إلى مناسبة لتقاطع الرؤى وبناء حوار حول مستقبل الممارسة المسرحية.

