زيارة محمد بن سلمان للقاهرة.. لماذا تهم بريكس والجنوب العالمي؟
الرئيسية » لماذا تهم زيارة محمد بن سلمان للقاهرة بريكس والجنوب العالمي؟ قراءة صينية في الدور المصري السعودي
اقتصادسياسة

لماذا تهم زيارة محمد بن سلمان للقاهرة بريكس والجنوب العالمي؟ قراءة صينية في الدور المصري السعودي

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

لماذا تهم زيارة محمد بن سلمان للقاهرة بريكس والجنوب العالمي؟ قراءة صينية في الدور المصري السعودي

 

تحليل الدكتورة/ نادية حلمي

الخبيرة المصرية في الشؤون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعي الحاكم في الصين والشؤون الآسيوية – أستاذ العلوم السياسية بجامعة بني سويف

 

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، جاءت زيارة ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ولقاؤه بالرئيس عبد الفتاح السيسي، في 15 سبتمبر 2026،

بعد أيام قليلة من مشاركة الرئيس المصري في القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس في نيودلهي.

 

وبحسب الرؤية التحليلية التي تقدمها الدكتورة نادية حلمي، فإن أهمية الزيارة لا تقتصر على العلاقات المصرية السعودية،

وإنما يمكن قراءتها ضمن شبكة أوسع من المصالح المرتبطة بأمن البحر الأحمر والطاقة وسلاسل الإمداد والتعاون بين دول الجنوب العالمي.

 

وقد أكدت الرئاسة المصرية أن مباحثات السيسي ومحمد بن سلمان تناولت تعزيز العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات،

إلى جانب تبادل الرؤى بشأن التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

 

وتكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية من توقيتها؛ إذ جاءت عقب قمة بريكس

التي أكدت في إعلان نيودلهي أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي والسياسي بين دول التجمع، وتوسيع التعاون بين دول الجنوب العالمي.

 

أولًا: أمن البحر الأحمر وقناة السويس في الحسابات الصينية

 

تمثل منطقة البحر الأحمر وقناة السويس جزءًا مهمًا من منظومة التجارة الدولية، وهو ما يمنح أي تطور في أمن الملاحة بالمنطقة أبعادًا تتجاوز دولها المباشرة.

 

ومن المنظور الصيني، ترتبط هذه المسألة بصورة خاصة بأمن سلاسل الإمداد والتجارة المتجهة بين آسيا وأوروبا، فضلًا عن أمن الطاقة.

 

وتكتسب مصر هنا أهمية خاصة بسبب موقع قناة السويس وشبكة الموانئ والمناطق اللوجستية المرتبطة بها.

وقد أكد الرئيس السيسي خلال قمة بريكس أن قناة السويس تقع في قلب منظومة النقل والتجارة العالمية،

وأن مصر تعمل على تطوير الموانئ وشبكات النقل والممرات اللوجستية بما يعزز استقرار سلاسل الإمداد.

 

ومن ثم، فإن استقرار العلاقة بين القاهرة والرياض يمثل عنصرًا مهمًا في الحسابات الاقتصادية المرتبطة بالبحر الأحمر،

خصوصًا مع استمرار التوترات التي تؤثر في حركة الملاحة وأسواق الطاقة.

 

وقد دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي، في 16 سبتمبر، إلى استعادة أمن الملاحة في مضيق هرمز،

محذرًا من تأثير التوترات على نقل الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

 

وهنا تلتقي المصالح المصرية والسعودية والصينية في نقطة واضحة: كلما ارتفعت كلفة عدم الاستقرار في الممرات البحرية،

زادت الضغوط على التجارة والطاقة والاقتصادات النامية.

 

ثانيًا: مصر والسعودية كعنصرين في معادلة الاستقرار الإقليمي

 

ترى الدكتورة نادية حلمي أن التقارب المصري السعودي يمكن قراءته أيضًا من زاوية أوسع تتعلق بقدرة القوى العربية الرئيسية على إدارة ملفات المنطقة

بعيدًا عن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.

 

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود «محور» سياسي موحد أو تطابق كامل في المواقف،

وإنما يعكس وجود مصالح مشتركة في ملفات الأمن الإقليمي والطاقة والملاحة والتجارة.

 

وتبرز أهمية مصر والسعودية هنا من اختلاف أدوارهما الجغرافية والاستراتيجية؛ فمصر تمتلك موقعًا محوريًا على قناة السويس والبحر الأحمر،

بينما تحتل السعودية موقعًا رئيسيًا في منظومة الطاقة الخليجية والأسواق العالمية.

 

ومن هذه الزاوية، فإن التنسيق بين القاهرة والرياض يمكن أن يوفر مساحة أكبر للتعامل مع تداعيات الأزمات الإقليمية على الاقتصاد والتجارة والطاقة.

 

ثالثًا: بريكس والجنوب العالمي.. من الشعارات إلى المشروعات

 

جاءت زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة بعد أيام من مشاركة مصر في قمة بريكس الثامنة عشرة في نيودلهي.

 

وخلال القمة، شدد الرئيس السيسي على أهمية بناء نماذج اقتصادية أكثر قدرة على الصمود، وتنويع محركات النمو، وتعزيز سلاسل الإمداد،

وتوسيع التعاون بين دول الجنوب العالمي. كما دعا إلى زيادة التجارة والاستثمارات بين دول بريكس وشركائها، وتحويل التوافقات إلى مشروعات واستثمارات ملموسة.

 

وهذه النقطة تحديدًا تجعل العلاقات المصرية السعودية ذات صلة بالنقاش الأوسع داخل بريكس.

 

فالتكامل الاقتصادي بين دولتين عربيتين ذواتي وزن إقليمي يمكن أن يفتح المجال أمام مشروعات في الطاقة والنقل واللوجستيات والبنية التحتية والتكنولوجيا،

وهي قطاعات تتقاطع مع أولويات بريكس المعلنة بشأن التنمية المستدامة والتعاون بين دول الجنوب.

 

السعودية وبريكس.. ضرورة التمييز بين العضوية والشراكة

 

ومن المهم هنا التمييز بين عضوية بريكس وبين صيغ الشراكة المرتبطة بالتجمع.

 

فمصر أصبحت عضوًا في بريكس منذ يناير 2024، بينما توسع التجمع في السنوات الأخيرة ليضم دولًا أعضاء وشركاء،

مع استمرار تطوير صيغ التعاون مع الدول غير الأعضاء. وفي قمة نيودلهي 2026، شاركت دول أعضاء ودول شريكة ضمن جلسات القمة.

 

ولذلك، فإن الحديث عن الدور السعودي في منظومة بريكس يحتاج إلى تحديد الصفة الرسمية للسعودية في كل سياق،

وعدم افتراض أنها عضو كامل في التجمع لمجرد مشاركتها أو ارتباطها بصيغ التعاون معه.

 

وهذا التفريق مهم حتى لا تختلط القراءة السياسية بالوضع المؤسسي الفعلي للتجمع.

 

رابعًا: قناة السويس كحلقة وصل بين آسيا والخليج وأفريقيا

 

تملك مصر ميزة جغرافية يصعب تجاهلها في أي نقاش حول التعاون بين دول الجنوب العالمي.

 

فقناة السويس تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، وتوفر طريقًا رئيسيًا لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا،

بينما تمثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس منصة صناعية ولوجستية يمكن أن تستفيد منها الاستثمارات الآسيوية والعربية.

 

وفي كلمته بقمة بريكس، أكد الرئيس السيسي أن تطوير الموانئ والممرات اللوجستية المصرية

يستهدف تعزيز كفاءة التجارة العالمية واستقرار سلاسل الإمداد.

 

ومن هنا، يمكن أن تتحول العلاقة المصرية السعودية من مجرد تنسيق سياسي إلى مساحة أوسع للتكامل الاقتصادي،

إذا ارتبطت الاستثمارات بالطاقة والنقل والصناعة واللوجستيات وسلاسل التوريد.

 

خامسًا: الطاقة.. العامل الأكثر حساسية

 

لا يمكن فصل أي قراءة للعلاقات المصرية السعودية عن ملف الطاقة.

 

فالسعودية لاعب رئيسي في سوق النفط العالمي، بينما تتمتع مصر بموقع استراتيجي في حركة الطاقة والتجارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس،

إضافة إلى وجود منظومة نقل إقليمية مهمة مثل خط سوميد.

 

وفي ظل التوترات الحالية في المنطقة، أصبحت حماية البنية التحتية للطاقة وتأمين طرق النقل مسألة اقتصادية تتجاوز الحسابات الوطنية الضيقة.

 

وقد انعكست التوترات الأخيرة على أسواق النفط بصورة واضحة، قبل أن تتراجع الأسعار جزئيًا مع تحسن بعض المخاوف المتعلقة بالإمدادات.

 

وهذا يفسر جانبًا من أهمية التنسيق بين القاهرة والرياض في المرحلة الحالية، من منظور الاستقرار الاقتصادي الإقليمي.

 

سادسًا: الصين والجنوب العالمي.. المصالح قبل الشعارات

 

ترى القراءة التي تقدمها الدكتورة نادية حلمي أن الصين تنظر إلى الجنوب العالمي ليس فقط باعتباره مساحة سياسية،

وإنما باعتباره شبكة من الأسواق وممرات التجارة ومصادر الطاقة ومراكز الإنتاج والاستثمار.

 

ولهذا فإن استقرار مصر والسعودية، بالنسبة إلى هذه الرؤية، يكتسب قيمة اقتصادية تتجاوز الحدود الثنائية.

 

لكن من المهم أيضًا عدم اختزال بريكس في كونه مشروعًا صينيًا؛ فالتجمع يضم قوى كبرى ذات مصالح وأولويات مختلفة،

وقد أظهر إعلان نيودلهي أن التوافق بين أعضائه يقوم على التفاوض والتوافق بين دول متعددة، وليس على قيادة منفردة من دولة واحدة.

 

وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في القضايا الاقتصادية والسياسية الحساسة،

حيث تسعى دول مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل ومصر وغيرها إلى الحفاظ على مصالحها الوطنية بالتوازي مع العمل الجماعي.

 

سابعًا: مصر داخل بريكس.. من الموقع الجغرافي إلى الدور الاقتصادي

 

تبدو مصر في هذا السياق صاحبة مجموعة من المزايا التي تمنحها أهمية داخل التعاون بين دول الجنوب العالمي.

 

فإلى جانب موقع قناة السويس، تمتلك مصر قاعدة سكانية كبيرة، وموانئ ومناطق صناعية، واتفاقيات تجارية مع أسواق متعددة،

كما تسعى إلى جذب الاستثمارات في قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا واللوجستيات.

 

وخلال قمة بريكس، دعا الرئيس السيسي إلى تعزيز التجارة والاستثمار والمشروعات المشتركة، والاستفادة من مؤسسات التمويل التنموي،

وفي مقدمتها بنك التنمية الجديد، لدعم مشروعات البنية الأساسية والتنمية.

 

وهذا يفتح الباب أمام تصور أوسع للدور المصري: ليس فقط باعتبارها دولة عربية وأفريقية عضوًا في بريكس،

وإنما باعتبارها حلقة وصل لوجستية وتجارية بين الخليج وأفريقيا وآسيا وأوروبا.

 

ثامنًا: ماذا تعني زيارة محمد بن سلمان للقاهرة لبريكس؟

 

وفق القراءة التحليلية التي تطرحها الدكتورة نادية حلمي، يمكن تلخيص أهمية الزيارة بالنسبة إلى بريكس والجنوب العالمي في ثلاثة مستويات مترابطة:

 

أولًا: المستوى الأمني، عبر أهمية استقرار البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية بالنسبة للتجارة العالمية.

 

ثانيًا: المستوى الاقتصادي، عبر تعزيز التكامل بين اقتصادين عربيين كبيرين بما يمكن أن يفتح المجال أمام استثمارات ومشروعات مشتركة.

 

ثالثًا: المستوى الجيو-اقتصادي، عبر موقع مصر الاستراتيجي كحلقة وصل بين الخليج وأفريقيا وآسيا وأوروبا، وهو ما يتقاطع مع أهداف التعاون بين دول الجنوب العالمي.

 

الخلاصة: زيارة ثنائية بأبعاد إقليمية ودولية

 

زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة في 15 سبتمبر 2026 جاءت في لحظة شديدة الحساسية إقليميًا،

وبعد أيام قليلة من قمة بريكس في نيودلهي التي ركزت على الصمود الاقتصادي والتعاون والتنمية والتنسيق بين دول الجنوب العالمي.

 

ولذلك يمكن قراءة الزيارة باعتبارها حدثًا ثنائيًا بين القاهرة والرياض،

وفي الوقت نفسه جزءًا من سياق إقليمي أوسع تتقاطع فيه ملفات الأمن والطاقة والملاحة والتجارة والاستثمار.

 

أما الحديث عن تأثيرها المباشر في تماسك بريكس، فيظل تحليلًا سياسيًا واقتصاديًا يحتاج إلى ترجمته إلى مشروعات واتفاقات وآليات تعاون فعلية حتى يتحول من مجرد تقارب سياسي إلى تأثير مؤسسي داخل التجمع.

 

وفي النهاية، فإن قوة أي شراكة بين دول الجنوب العالمي لا تقاس فقط بحجم التصريحات السياسية، وإنما بقدرتها على بناء مصالح اقتصادية متبادلة، وتأمين سلاسل الإمداد، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع التجارة والاستثمار، وتحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

 

ومن هذه الزاوية، تكتسب القاهرة والرياض أهمية خاصة في معادلة إقليمية تتقاطع فيها مصالح عربية وآسيوية وأفريقية، بينما تحاول دول الجنوب العالمي بناء مساحة أكبر من التعاون في نظام اقتصادي دولي سريع التغير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *