أزمة الجزائر والإمارات.. هل أصبح قطع العلاقات بداية لإعادة رسم التحالفات؟
الرئيسية » من يدق المسمار الأخير في نعش العلاقات الجزائرية الإماراتية؟ تقرير خاص – شبكة النايل الإخبارية بقلم: أشرف بن ماضي
أخبار العالماخبار عربيةسياسةمقالات

من يدق المسمار الأخير في نعش العلاقات الجزائرية الإماراتية؟ تقرير خاص – شبكة النايل الإخبارية بقلم: أشرف بن ماضي

كتب المقال بواسطة أ/

من يدق المسمار الأخير في نعش العلاقات الإماراتية-الجزائرية؟

تقرير خاص – شبكة النايل الإخبارية

بقلم: أشرف بن ماضي

 

في يوم الخميس 10 سبتمبر 2026، أعلنت الجزائر رسمياً قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة،

في خطوة وصفتها الخارجية الجزائرية بأنها جاءت “بعد استنفاد جميع السبل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية”.

 

القرار لم يكن مفاجئاً للمتابعين. فهو تتويج لأشهر من التصعيد والبيانات المتبادلة،

وتحول الخلاف من الكواليس الدبلوماسية إلى قرار سيادي علني يدق “المسمار الأخير” في نعش علاقة طالما وصفت بالأخوية.

 

الجزائر: “تصرفات استفزازية وعدائية”

 

في بيانها الرسمي، اتهمت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية أبوظبي بـ “تزايد التصرفات الاستفزازية أو العدائية”،

مؤكدة أنها “تحلت بقدر كبير من ضبط النفس” وحذرت الجانب الإماراتي من “العواقب الوخيمة التي قد تترتب عن سلوكياته المؤسفة وغير المبررة”.

 

ولم تكتف الجزائر بالبيان. فقد استدعت سفير الإمارات وأبلغته بالقرار، ومنحته مهلة 48 ساعة للمغادرة.

كما أعلنت وزارة الدفاع إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الإماراتية اعتباراً منتصف ليل 11 سبتمبر،

باستثناء الرحلات التجارية لمطار هواري بومدين حتى نهاية العقد.

 

الرئيس عبد المجيد تبون كان قد مهّد لهذا القرار في يوليو 2024 بوصف الإمارات بـ “دويلة لأن أثرها سلبي جدا ولدينا الأدلة.

أينما يضعون أقدامهم تراق الدماء” و “نريد أن يبتعدوا عنا حتى لا تسيل الدماء عندنا”.

 

المحلل السياسي إسماعيل خلف الله اعتبر أن القرار “يجمع بين الطابع الوقائي والرد السياسي” ويعكس “رؤية أشمل لحماية الأمن القومي والاستقرار الداخلي”.

 

فيما قال محمد بن خروف إن الجزائر “لم تعد قادرة على تجاهل السياسات الإماراتية التي تسعى إلى زعزعة أمنها الداخلي وتقويض وحدتها الوطنية” مستشهداً بتجارب “سوريا والسودان ودول أفريقية أخرى”.

 

صحيفة “الخبر” الجزائرية ذهبت أبعد، واتهمت أبوظبي بـ “دعم عناصر معادية للوحدة الوطنية والتدخل لدى فرنسا لتسهيل إقامتهم”.

 

ملف الساحل: الشرارة المباشرة

مصادر دبلوماسية جزائرية أكدت أن القطرة التي أفاضت الكأس كانت التقارير عن دعم إماراتي غير معلن لمجموعات مسلحة في منطقة الساحل،

ومحاولات لإنشاء قواعد لوجستية قريبة من الحدود الجزائرية.

بالنسبة للجزائر التي تعتبر أمن الساحل “أمن قومي مباشر”، كان هذا بمثابة إعلان حرب بالوكالة.

 

الاتحاد الأفريقي يعلن موقفه إلى جانب الجزائر

 

في تطور لافت، أعلن الاتحاد الأفريقي وقوفه إلى جانب الجزائر في مواجهة ما وصفه بـ “التدخلات الخارجية في شؤون الدول الأفريقية”.

 

وقال رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي السيد موسى فقي محمد في تصريح رسمي:

الاتحاد الأفريقي يجدد التزامه الراسخ بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء واحترام سيادتها ووحدتها الوطنية.

ونحن نتفهم تماما موقف الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية في الدفاع عن أمنها القومي،

وندعو جميع الأطراف إلى احترام ميثاق الاتحاد الأفريقي وعدم المساس باستقرار دولنا“.

 

وأضاف: “أفريقيا لن تكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وأمن واستقرار الدول الأعضاء مسؤولية جماعية“.

 

ويعد هذا الموقف دعماً سياسياً مهماً للجزائر، خاصة في ظل تصاعد التوتر حول ملفات الساحل وليبيا والسودان التي ترى الجزائر أن للإمارات دوراً فيها.

 

الإمارات: نبرة ناعمة و”نأمل المؤقتية”

 

في المقابل، جاء الرد الإماراتي دبلوماسياً وهادئاً. بيان الخارجية أكد “تقديرها لعلاقاتها مع جميع الدول وحرصها الدائم على تطويرها وتعزيزها،

بما يخدم المصالح المشتركة”، وتطلعها إلى أن يكون قرار الجزائر “مؤقتاً، بما يحفظ الروابط الأخوية بين الشعبين الشقيقين”.

 

كما أكدت الوزارة “تقدير دولة الإمارات للشعب الجزائري الشقيق، واعتزازها بالروابط التي تجمع الشعبين”.

 

أما أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، فكتب على منصة “إكس”: “العلاقات الدبلوماسية تُدار بالعقل والتواصل ووضوح المصالح،

لا بالألغاز والإشارات… ولا يمكن أن تكون رهينة احتقان داخلي”.

وأضاف: “الغموض ليس سياسة والضجيج لا يعوض غياب الرؤية”.

 

النبرة الناعمة للبيان الإماراتي قوبلت بسخرية واسعة على مواقع التواصل. وانتشرت تعليقات من بينها:

“كل ما تبتغيه فقط هو تقسيم اليمن والصومال والسيطرة على موانئهما… فلماذا الغضب يا جزائر يا شقيقة؟ نحن كيوت!”.

 

جذور الأزمة: من ليبيا إلى الصحراء

 

التحليلات الإعلامية ربطت القطع بثلاثة ملفات رئيسية فجرت الخلاف:

1. شمال أفريقيا والساحل: تباين المواقف في ليبيا ومالي والسودان

2. الصحراء الغربية: العلاقات الوثيقة بين الإمارات والمغرب ودعم أبوظبي لموقف الرباط

3. التطبيع: “العلاقات المتنامية بين الإمارات وإسرائيل” التي تشكل مصدر توتر دائم في الخطاب الجزائري

 

i24NEWS أكدت أن الخلاف “تصاعد خلال الأشهر الماضية على خلفية تباين مواقف البلدين في ملفات شمال أفريقيا ومنطقة الساحل”.

 

من إرث الشيخ زايد إلى السياسة الجديدة

لطالما ارتبط اسم الإمارات في الذاكرة العربية بعهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، الذي عُرف بدعم القضايا العربية وخاصة القضية الجزائرية خلال ثورة التحرير.

لكن السياسة الإماراتية بعد 2020 شهدت تحولات جذرية. من التطبيع مع إسرائيل إلى التدخل في ملفات اليمن وليبيا والسودان،

تراجعت صورة الإمارات كدولة “خير” لصالح صورة “لاعب إقليمي براغماتي“.

وهذا ما يفسر اليوم أن نسبة 90% من الشعوب العربية تعتبر الإمارات دولة وظيفية تخدم الكيان الغاصب، وغير محببة كما كانت في عهد الشيخ زايد.

 

انقسام دولي حول الأزمة

بخلاف الاتحاد الأفريقي، سارعت دول إلى إعلان تضامنها مع الجزائر. فيما اكتفت دول أخرى بالدعوة إلى “ضبط النفس”.

أما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فدعوا الطرفين إلى “الحوار”.

هذا الانقسام يؤكد أن الأزمة لم تعد جزائرية-إماراتية، بل أصبحت مرآة للاستقطاب الجديد في المنطقة.

 

ثمن القطع: المواطن أولاً

 

وراء البيانات والمواقف السيادية، هناك ثمن يدفعه الناس. فالجالية الجزائرية في الإمارات نسبتها قليلة جدا،

ويعمل أفرادها بأموالهم وليس بمال الإمارات، ومع ذلك فإنهم يواجهون الآن مصيراً غامضاً فيما يخص تجديد أوراقهم وتوثيق معاملاتهم وتحويلاتهم المالية.

 

شركات الطيران خسرت خطوطاً مباشرة بعد غلق المجال الجوي وإلغاء اتفاقية الخدمات الجوية في فبراير 2026.

ومشاريع استثمارية إماراتية بمليارات الدولارات في الطاقة والفلاحة باتت في مهب الريح.

 

المحلل إسماعيل خلف الله قال إن القرار “يحمل رسالة تطمين للرأي العام أن الدولة مستعدة لتحمل التبعات الاقتصادية واللوجستية،

مقابل الحفاظ على استقلالية القرار الوطني”. لكن إلى متى؟

 

السياق الإقليمي: إعادة رسم الخرائط

 

قرار الجزائر لا يأتي في فراغ. هو حلقة في سلسلة إعادة تموضع إقليمي، حيث تختار العواصم معسكراتها بوضوح.

 

فبعد سنوات من “الوقوف على مسافة واحدة من الجميع”، اختارت الجزائر الآن منطق “الندية والاحترام المتبادل بعيداً عن المصالح الظرفية”.

 

في المقابل، للإمارات تحالفات قوية تمتد من مصر والسعودية إلى المغرب وإسرائيل.

والسؤال: هل نشهد بداية محور جديد في شمال أفريقيا والساحل؟

 

ردود الفعل: انقسام في الشارع

 

على مواقع التواصل الاجتماعي انقسمت الآراء إلى 3 تيارات:

 

المؤيدون للقرار رأوه “سيادياً متأخراً” و”رسالة أن السيادة خط أحمر” وهاشتاج #الجزائر_ترد تصدر.

المنتقدون تساءلوا عن “الغموض” وطالبوا بتوضيح أسباب محددة، محذرين من أضرار على الجالية.

الساخرون تداولوا بيان الإمارات بسخرية، معتبرين أنه “بيان ناعم مقابل اتهامات تقيلة” وهاشتاج #نحن_كيوت انتشر.

 

الخلاصة

 

بهذا القرار تكون الجزائر قد اختارت “منطق السيادة أولاً”، وانتقلت بالخلاف من “مستوى الكواليس الدبلوماسية إلى مستوى القرارات السيادية العلنية”.

ومع إعلان الاتحاد الأفريقي وقوفه إلى جانب الجزائر، يبدو أن المعركة لم تعد ثنائية فقط.

 

بينما اختارت الإمارات لغة “العقل والتواصل” وأبقت الباب موارباً أمام “مؤقتية القرار”.

 

فمن المستفيد من هذا النعش؟

هل تستفيد الجزائر من تأكيد سيادتها ودعمها الأفريقي؟ أم تستفيد الإمارات من صورة “الضحية الهادئة”؟

أم أن المستفيد الحقيقي هو من يريد تفكيك التضامن العربي والإفريقي قطعة قطعة؟

 

الإجابة قد لا تكون عند الحكومات… بل عند الشعوب التي ستدفع الثمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *