المخاوف الامريكية الإسرائيلية من التقارب المصرى الصينى وتداعياتها على مستقبل المنطقة بعد زيارة الرئيس شى جين بينغ لمصر
لماذا تراقب الولايات المتحدة وإسرائيل العلاقات المصرية الصينية بعد زيارة شى جين بينغ؟

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
تمثل زيارة الرئيس الصينى “شى جين بينغ” إلى القاهرة خطوة إستراتيجية كبرى تعيد رسم موازين القوى فى الشرق الأوسط،
وتثير قلقاً عميقاً لدى كل من الولايات المتحدة ويتمثل القلق الأمريكى الإسرائيلى من التقارب المصرى الصينى فى تآكل الهيمنة الغربية والأمريكية على مصر وبلدان المنطقة،
وكسر الإحتكار العسكرى والإقتصادى لواشنطن وتل أبيب على القرار الإستراتيجى فى مصر.
وتشير بعض التحليلات الغربية والأمريكية أن تزايد النفوذ الصينى فى مصر والمنطقة من خلال الإستثمارات والتعاون العسكرى قد يمثل تحدياً للنفوذ التقليدى للولايات المتحدة وحلفائها،
بينما تراها القوى الإقليمية فرصة لخلق توازن دولى متعدد الأقطاب يخدم الإستقرار والتنمية.
إن تزايد النفوذ الصينى فى مصر والشرق الأوسط يعكس تحولاً إستراتيجياً بارزاً فى طبيعة النظام الدولي،
حيث يثير هذا التمدد قراءات متباينة بين العواصم الغربية وقوى المنطقة، بشأن تباين الرؤى حول النفوذ الصينى.
وتتمثل وجهة النظر الغربية (الأمريكية تحديداً) بأن التقارب المصرى الصينى تهديد للنفوذ التقليدى، وترى واشنطن أن الإستثمارات الصينية،
مثل (الموانئ والمناطق الإقتصادية للصين فى العاصمة الإدارية الجديدة ومنطقة تيدا للتعاون الإقتصادى شمال غرب قناة السويس) والتعاون العسكرى بين مصر والصين يمثلان تحدياً للهيمنة الأمريكية.
بينما تتمثل وجهة نظر القوى الإقليمية (مصر ودول المنطقة)، بأن التقارب مع الصين يمثل (فرصة للتوازن الدولى)،
حيث تنظر دول المنطقة إلى الصين كشريك إستراتيجى هام يساهم فى خلق نظام متعدد الأقطاب ينهى سياسة القطب الواحد.
ومن جانب آخر، يثير التقارب التكنولوجى الرقمى بين الصين ومصر وبلدان المنطقة مخاوف أمنية وتكنولوجية أمريكية، حيث يثير التعاون فى مجالات مثل شبكات الـ “الجيل الخامس”
5G
والتسليح قلقاً غربياً من تغلغل بكين الأمنى داخل مصر والمنطقة. بينما تنظر إليه مصر، بأنه بمثابة فرصة لدعم التنمية والإقتصاد،
حيث تركز الشراكة بين مصر والصين على مشاريع البنية التحتية الضخمة، مثل (العاصمة الإدارية الجديدة) دون شروط سياسية مسبقة.
وهنا تحاول الولايات المتحدة الأمريكية والغرب اللعب على نقطة (الفخاخ التمويلية)، حيث يحذر الغرب والولايات المتحدة مما يسميه “دبلوماسية فخ الديون”،
معتبراً أنها أداة للسيطرة السياسية الصينية بعيدة المدى. ولكن على نقيض آخر، ترفض مصر هذا الإتهام الأمريكى والغربى للصين،
وترى بأن التقارب معها بمثابة فرصة لـ (تنويع البدائل)، وذلك فى إطار سعى الدولة المصرية لتوسيع خياراتها السياسية والإقتصادية والعسكرية،
مما يمنحها هامش مناورة أكبر مع القوى العظمى.
وهنا تتمثل أبرز أبعاد المخاوف الأمريكية من التقارب المصرى الصينى، من خلال:
(الضربات الإقتصادية لمبادرة الحزام والطريق الصينية)،
حيث تخشى واشنطن من نجاح الصين فى السيطرة على ممرات التجارة العالمية الحيوية عبر ربط مصر بمشروعات البنية التحتية الكبرى.
ومن أجل ذلك، تحرص واشنطن على إجهاض محاولات السيطرة الصينية على قلب الممر التجاري العالمى فى قناة السويس والمنطقة الإقتصادية التابعة لها.
فضلاً عن (التخوف الأمريكى من فقدان أدوات الضغط المالى لصالح بكين)،
حيث يمنح التعاون التجارى والمالى المتنامى لمصر مع بكين (وإنضمام مصر لتجمع “بريكس”) القاهرة أريحية ومرونة إقتصادية تضعف فاعلية الضغوط الأمريكية،
وهو ما يؤدى لفقدان التفرد الإستراتيجى لواشنطن، حيث ترى الولايات المتحدة الأمريكية فى النهج الجديد للسياسة الخارجية المصرية
الرامية لتنويع الشراكات الدولية والإندماج فى تجمع “البريكس” تقويضاً لإعتماد القاهرة الكامل على المظلة الأمريكية.
وأخيراً، (التنافس الأمريكى الصينى على البنية التحتية الرقمية)
حيث يثير دخول شركات صينية عملاقة مثل “هواوي” على خط إنشاء مراكز بيانات الذكاء الإصطناعى للحكومة المصرية قلق واشنطن من ترسخ النفوذ التقنى الرقمى لبكين فىىحليفها الأبرز بالمنطقة.
وهنا تقلق واشنطن من إعتماد مصر على التكنولوجيا الصينية، مثل (هواوى) فى الإتصالات والذكاء الإصطناعى، مما يبعدها عن السيطرة الرقمية الغربية والأمريكية.
ومن جانب آخر، تتمثل المخاوف الإسرائيلية من تأثير التقارب المصرى الصينى على مصالحها، من خلال (التخوف الإسرائيلى من خروج صفقات التسليح عن السيطرة)،
حيث ينتهج الجيش المصرى سياسة تنويع مصادر السلاح، والتعاون العسكرى المتطور مثل مناورات “نسور الحضارة” مع الصين.
ومن هنا، تتوجس الدوائر الأمنية الإسرائيلية من صفقات عسكرية محتملة ومناورات مشتركة كتدريبات “نسور الحضارة بين مصر والصين،
لتأثيرها على تعزيز قدرات الدفاع الجوى المصرى وموازنة التفوق العسكرى الإسرائيلى، وهو الأمر الذى يخرج عن نطاق التأثير والرقابة للوبى الإسرائيلى فى واشنطن،
ويؤدى لفقدان القدرة على توجيه القرار المصرى، حيث ترى تل أبيب أن الدعم الإقتصادى والإستثمارى الصينى ينزع من يدها ورقة الضغط على مصر فى الملفات الإقليمية الحساسة.
لذلك، تخشى إسرائيل خروج الجيش المصرى عن طوق الهيمنة الغربية والتحكم الأمريكى المباشر فى تقنيات التسليح عبر الإنفتاح على المنظومات العسكرية الصينية.
وهنا، يقلص التقارب الإقتصادى والسياسى والعسكرى المتنامى لمصر مع بكين قدرة تل أبيب وواشنطن على إستخدام الضغوط المالية والإقتصادية ضد القاهرة فى الملفات الإقليمية الحساسة.
أما عن تداعيات ذلك الصراع الأمريكى الصينى ودور مصر بينهما على مستقبل المنطقة، فيتمثل فى (تعزيز الإستقلال الإستراتيجى لمصر)،
حيث يمنح هذا التقارب بين مصر والصين هامش مناورة أكبر للدبلوماسية المصرية لحماية أمنها القومى وقرارها الوطنى بعيداً عن الضغوط الغربية والأمريكية،
وبذلك تكتسب القاهرة قدرة أكبر على المناورة السياسية وحماية أمنها القومى، مثل (الأمن المائى وقضايا الحدود وغزة) بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
وهو ما يعنى فى جوهره (التحول نحو نظام متعدد الأقطاب الدولية)، حيث يساهم هذا التقارب بين مصر والصين فى تراجع الدور الأحادى للولايات المتحدة بالشرق الأوسط،
ويعزز حضور القوى الآسيوية وعلى رأسها الصين، كشريك بديل وموازن لدول المنطقة.
وهو ما يعمل على تآكل الأحادية القطبية، ويفتح الباب أمام نظام إقليمى متعدد الأقطاب،
تصبح فيه المنطقة العربية قادرة على المفاضلة بين العروض الإقتصادية والتكنولوجية الشرقية والغربية.
