ريان وأيوب لم يبلغا الحُلم… فكيف صار موتهما
درسًا لنا نحن الذين نظن أننا نملك الغد!؟…ريان وأيوب… طفلان لم يبلغا الحُلم، لكنهما بلغا قلوب العالم أجمع من قاع البئر.
عن أي ألم تتحدثون!
في عام 2022، كان اسمه ريان… طفل مغربي لم يتجاوز الخامسة، سقط في بئر عميقة، فحبس العالم أنفاسه لأيام وهو ينتظر لحظة خروجه.
وفي عام 2026، عاد المشهد بصورة أكثر وجعاً من الجزائر… أيوب، طفل في العاشرة، سقط في بئر ضيقة جافة، وظلت فرق الإنقاذ تحاول الوصول إليه أربعة أيام، قبل أن يُنتشل جثمانه.
ياله من واقع مؤلم لأصحاب القلوب الرحيمه… جميعاً خلقنا رب العزة بأفئده لكنها لم تشبه إطلاقاً أفئدة الطيور حقاً…” إلا من رحم ربي “جميعاً نتأثر لحظات لكن سريعاً نمارس بكل شراهه حياتنا الدنيا! الذى يظلم ويمتلك من مبررات ظلمه مايكفى العالم ويفيض،الذى يخوض في عرض،الذى يتلذذ بكسر الخواطر،وهل من مزيد؟ ياربي ماأبشع من ظلم البشر بعضهم بعضا!!
تغيّرت الأسماء والبلدان والسنوات…
لكن السؤال ظل واحدًا: لماذا؟
لماذا طفل؟
لماذا بئر؟
لماذا كل هذا الانتظار؟
ولماذا يُبتلى الصغير بما تعجز قلوب الكبار عن احتماله؟!
ياربي ماأعظمك وما أعظم ابتلائك….
هنا تحديدًا يجب أن نتوقف…ونتأمل سوياً….
لأننا أحيانًا نحاول أن نفسّر أقدار الله بعقولنا الصغيرة،التي ليس لها من الأمر شيئاً،فنبحث عن “السبب”، بينما قد تكون الحقيقة أكبر من قدرتنا على إدراكها أو التفكير بها.
ريان لم يكن يعرف معنى الموت.
وأيوب لم يكن يعرف معنى الموت.
كلاهما لم يعرفوا معنى القدر…..
لم يرتكبا ذنبًا يستحقان عليه العقاب، ولم يبلغا سن التكليف أصلًا.
ومع ذلك… كان لكل واحد منهما موعد كتبه الله قبل أن نعرف نحن أسماءهما.
كأن رب العزة يقول لنا هل منكم من يتعظ!؟نحن الذين نظن أننا نملك الغد وغد الغد…. ياربي” إن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ”
وهذه أكثر نقطة موجعة في القصتين.
نحن نعتقد أن الطفل هو الكائن الذي يجب أن نحميه من الموت، بينما الموت لا يستأذن عمرًا، ولا ينتظر اكتمال أحلام الغد.
قد يعيش الإنسان عشرات السنين وهو يظن أن الحياة ملكً له…
ثم تأتي لحظة واحدة تذكره بأنه كان فقط ضيفًا عليها ولا يمتلك من الدنيا سوى موته. قد يبدوا مقالى هذا كئيباً لكنه واقع،شئنا أم أبينا فالموت واقع لا يفر منه أحد طفل كان أو شيخ أو غنى كان أو فقير،ف جميعاً للموت سواء.
رفعت الأقلام وجفت الصحف….
لكن هناك شيء آخر أكثر خفاءً…
ذلك اللطف الذي لا نراه.
نحن نرى البئر.
نرى الظلام.
نرى التراب.
نرى عجز البشر.
نرى الجثمان حين تخرج…أما عن القصة من نهايتها المأساوية هناك رب لطيف حكيم وهب لنا روحا من روحه وإن شاء يأخذ تلك الروح له ملك السماوات والأرض…هل من مزيد؟
لكننا لا نرى ما وراء القدر.
لا نعرف ماذا ادخر الله لهما برحمته.
لا نعرف أي رحمة سبقت أقدارهما.
ولا نعرف كيف يكون الشيء الذي نراه نحن “نهاية”، بينما يكون في علم الله انتقالًا إلى دار لا ألم فيها ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
قال الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
ريان وأيوب لم يختارا البئر…
لكن البئر اختزلت لنا شيئًا عن الحياة.
كشفت لنا هشاشتنا.
كشفت لنا أن الإنسان مهما امتلك من قوة وتكنولوجيا وخطط، يظل عاجزًا أمام لحظة واحدة لا يملك تغييرها.
(الموت ياسادة)
وكشفت لنا أيضًا شيئًا عن البشر…
في كل مرة سقط فيها طفل في بئر، لم يسقط وحده.
سقط معه قلب العالم أجمع.
رأينا آلافًا يدعون لطفل لا يعرفونه.
رأينا رجال إنقاذ يواصلون الحفر وهم يعرفون حجم الخطر.
رأينا أناسًا لا تجمعهم جنسية ولا حدود، تجمعهم فقط إنسانية واحدة تقول:
أنقذوا الطفل.
في حين مئات الآلاف من الأطفال يموتون ظلماً في فلسطين.لا نعرف أيضاً الحكمة الإلهية من وراء ذالك الموت..لكننا نعرف أن مُجريها حكيم وكفى.
وربما هذه إحدى الرسائل التي تركها ريان وأيوب خلفهما:
أن الإنسان قد يموت جسده صغيرًا…
لكن أثره قد يكون أكبر من أعمار كاملة.
ريان الذي لم يعش إلا سنوات قليلة، جعل الملايين يعرفون اسمه.
وأيوب الذي لم يبلغ الحلم، جعل بلدًا كاملًا يحبس أنفاسه لأيام.
فليست قيمة الإنسان دائمًا في عدد السنوات التي عاشها…
بل في الأثر الطيب الذي تركه وراءه.
ولعل أقسى درس لنا نحن الذين ما زلنا فوق الأرض:
أن نتوقف عن تأجيل الحياة.
أن نصلح ما بيننا وبين الله.
أن نعتذر قبل أن يصبح الاعتذار مستحيلًا.
أن نحتضن أبناءنا أكثر.
أن نطمئن على من نحب.
أن نكف عن الخصام الطويل بسبب أشياء صغيرة…
لأن أحدًا منا لا يملك ضمانًا للغد.
ريان وأيوب لم يبلغا الحُلم…
لكن قصتيهما جعلتا أجيالًا كاملة تفكر في الحياة والموت والقدر والرحمة.
ربما لا نملك تفسيرًا كاملًا لما حدث.
ولا ينبغي لنا أن ندّعي أننا نعرف سرًّا أخفاه الله عنا رحمة بنا.
لكننا نستطيع أن نؤمن بشيء واحد:
أن وراء كل أقدار الله حكمة،لا يعلمها إلا سبحانه وتعالى ووراء كل ألم رحمة قد لا تراها أعيننا، وأن الله لطيف بعباده من كل ما تستطيع عقولنا الهشة الضعيفه أن تتخيل.
رحم الله ريان…
ورحم الله أيوب…
وربط على قلوب أهلهما كما ربط على قلب أم موسى.
ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من طفلين رحلا عن دنيانا وقبل أن يعرفا معنى الحياة كاملًا:
أننا لا نملك أعمارنا… لكننا نملك كيف نعيش ما تبقى منها.
فلا تنتظروا البئر حتى تعلموا قيمة الأرض التي تقفون عليها…
لا أملك من العقل مايمكننى أن أقول بقلم/نجوان صفي الدين لأن والله هذا بفضل الله ورحمته بي.
سيدي يارسول الله…..

