أوراق الضغط الصينية على أثيوبيا لحل النزاع مع مصر بشأن سد النهضة عبر منتدى التعاون الصينى الأفريقى فوكاك ومجلس الأمن الدولى
تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
تمتلك جمهورية الصين الشعبية شبكة واسعة من المصالح الجيوسياسية والإقتصادية فى منطقة القرن الأفريقى الحساسة للمصالح الصينية، مما يمنحها أوراق ضغط قوية ومباشرة على أثيوبيا.
ورغم إتباع بكين تقليدياً لسياسة “عدم التدخل”، إلا أن قممها وبياناتها المشتركة الأخيرة مع مصر (التى أكدت فيها إلتزام دول حوض النيل بالقانون الدولى وعدم الإضرار بالأمن المائى المصرى) تعكس إمكانية تحريك هذه الأوراق لحلحلة النزاع.
وهنا أعلنت الصين مؤخراً عن دعم سياسى واضح لحقوق مصر المائية وإدراكها للأهمية الحيوية لنهر النيل كشريان حياة رئيسي، بينما تفضل بكين الدبلوماسية الهادئة على لعب دور الوسيط المباشر والمعلن في أزمة سد النهضة.
ويتمثل الموقف الصينى من الأمن المائى المصرى فى الإعتراف بأهمية النيل، فقد أكد بيان مشترك بين مصر والصين على إقرار الجانب الصينى بأن نهر النيل يمثل شريان الحياة الأساسى لمصر وحقها فى حماية أمنها المائى والغذائى.
مع التشديد الصينى على الإلتزام بالقانون الدولى، فقد دعت الصين دول حوض النيل إلى الإلتزام بالقواعد الدولية، بما فى ذلك تجنب إحداث ضرر لدول المصب مثل مصر،
ويعكس هذا التقارب تطوراً صينياً فى الموقف الدبلوماسى وتحولاً لافتًا فى التعاطى الصينى مع ملف الأمن المائى المصرى نتيجة للجهود الدبلوماسية المستمرة.
ورغم أن الصين لا تطرح نفسها كوسيط مباشر أو صريح فى المفاوضات المعقدة بين مصر وأثيوبيا، لتجنب الدخول فى نزاعات سياسية حساسة بالنسبة للصين،
إلا أن المصالح المشتركة للصين فى أثيوبيا تجعلها مؤثرة على مراكز صنع القرار فى أديس أبابا، حيث تمتلك إثيوبيا ديوناً ضخمة لصالح الصين ومشاريع إستثمارية صينية كبرى فى أديس أبابا،
كما تنظر بكين لأثيوبيا كمركز نفوذ حيوى فى منطقة القرن الأفريقى الحساسة للمصالح الصينية. بالنظر لإمتلاك الصين إستثمارات ضخمة وعلاقات قوية مع أثيوبيا،
مما يجعلها تفضل الإتصالات غير المعلنة ودعم إستقرار القرن الأفريقى بدلاً من الضغط العلنى. وهنا، يتم تنسيق المواقف بين القاهرة وبكين عبر الشراكة الإستراتيجية الشاملة ومنصات التعاون الأفريقى دون الإضرار بعلاقات الصين مع أطراف النزاع الأخرى.
وفى هذا الإطار، تتمثل أبرز أوراق الضغط الصينية على إثيوبيا عبر الآتى:
١) ورقة الديون السيادية الأثيوبية للصين وإعادة جدولة الصين للديون الأثيوبية وإستغلال ورقة تراكم الديون الأثيوبية على الصين، لصالح الضغط على نظام “آبى أحمد” فى أثيوبيا لحل أزمة سد النهضة مع مصر:
– تعد الصين الدائن الأكبر لأثيوبيا، حيث تمول الجزء الأكبر من مشاريع البنية التحتية فيها.
وهنا يمكن للصين أن تلعب على آلية الضغط على أثيوبيا لحل مشكلة أزمة سد النهضة مع مصر.
حيث تواجه أديس أبابا أزمات إقتصادية خانقة ونقصاً حاداً فى العملة الأجنبية. فى الوقت الذى تحتاج فيه أثيوبيا بشكل مستمر إلى مرونة صينية لإعادة جدولة الديون أو تخفيف أعبائها،
وهو ما يمنح بكين نفوذاً سياسياً غير مشروط للضغط على أثيوبيا ورئيسها “آبى أحمد” من أجل تقديم تنازلات دبلوماسية إلى مصر.
– وهو ما يسلط الضوء على أداة رئيسية من أدوات (دبلوماسية الديون التى تمتلكها الصين ضد أثيوبيا والتى يمكن توظيفها لصالح مصر).
حيث يمكن توظيف المديونية الأثيوبية الضخمة للصين كأداة ضغط سياسى لحلحلة جمود ملف سد النهضة لصالح مصر، وذلك إستناداً إلى المعطيات التالية،
منها (حجم النفوذ الإقتصادى الصينى فى أثيوبيا بإعتبارها الدائن الأكبر للصين)، حيث تمول الصين نصيب الأسد من مشاريع البنية التحتية الأثيوبية، مثل (خطوط السكك الحديدية، السدود، والمناطق الصناعية).
فى الوقت الذى تعانى فيه أثيوبيا من أزمة إقتصادية خانقة، وشح شديد فى العملات الأجنبية وتضخم مرتفع، مما يجعلها عاجزة عن سداد أقساط الديون بإنتظام للصين.
– وهنا قد تلعب آلية الضغط الصينية على أثيوبيا لصالح مصر من خلال (إعادة الجدولة للديون الأثيوبية مقابل إنتهاج موقف سياسى أثيوبى مرن لصالح القاهرة بخصوص أزمة سد النهضة) وذلك فى إطار المرونة المشروطة.
وهنا، تحتاج أثيوبيا بشكل مستمر إلى موافقة بكين على (إعادة جدولة الديون أو تمديد فترات السماح لتجنب التخلف عن السداد)
(Default)
وهنا يمكن للدبلوماسية الصينية أن تلعب دور (المقايضة الدبلوماسية)، عبر ربط هذه التسهيلات الإقتصادية لأثيوبيا بضرورة إبداء أديس أبابا مرونة أكبر فى المفاوضات مع القاهرة، والتوقيع على إتفاق قانونى ملزم لملء وتشغيل السد.
– وهنا يجب أن توازن الصين وصناع قرارها بين المصالح المشتركة للصين فى كلاً من (مصر، وأثيوبيا)، فمن جانب العلاقات المصرية الصينية،
ترتبط القاهرة وبكين بشراكة إستراتيجية وإقتصادية قوية، مثل (إستثمارات المنطقة الإقتصادية لقناة السويس)،
وترغب الصين فى الحفاظ على إستقرار مصر السياسى والأمنى كحليف إقليمى مهم لبكين، مع ضرورة الوضع فى الإعتبار بالنسبة للجانب الصينى، بأن الحفاظ على الإستثمارات الصينية فى القاهرة يستلزم حل المشاكل والأزمات العالقة بخصوص أزمة سد النهضة مع أثيوبيا،
فعدم حل أزمة السد قد يؤدى إلى صراع عسكرى كبير بين مصر وأثيوبيا أو عدم إستقرار إقليمى، وهو ما يهدد الإستثمارات الصينية بمليارات الدولارات فى منطقة القرن الأفريقى وشرق أفريقيا الحساسة لمصالح وإستثمارات الصين.
لذا فإن الضغط الصينى على أثيوبيا لحل الأزمة مع مصر يضمن أيضاً حماية مصالح بكين.
٢) إستغلال الصين ورقة ضغط الإستثمارات المباشرة ومشاريع البنية التحتية الصينية لكون الصين الشريك التجارى الأول لأثيوبيا لحمل نظام “آبى أحمد” فى أثيوبيا للتفاوض مع مصر بخصوص أزمة سد النهضة:
– فالصين هى أكبر مستثمر أجنبى وثانى أكبر شريك تجارى لأثيوبيا. وتتركز هذه الإستثمارات الصينية فى قطاعات حيوية، مثل (الإتصالات، والسكك الحديدية، مثل “خط أديس أبابا – جيبوتى”، والمناطق الصناعية).
وهنا يمكن أن تلعب الصين دوراً فى الضغط على أثيوبيا بالتلويح بتبطين وتيرة الإستثمارات الجديدة، أو تجميد الدعم الفنى للمشاريع المستقبلية، مما يشكل تهديداً مباشراً لخطط التنمية والنمو الإقتصادى الأثيوبى.
– فمسألة إستخدام الصين لإستثماراتها الضخمة فى أثيوبيا كـ”ورقة ضغط” لدفع حكومة “آبى أحمد” للتفاوض مع مصر بشأن سد النهضة يعد طرحاً إستراتيجياً معقداً،
إذ تتداخل فيه المصالح الإقتصادية بالتحالفات الجيوسياسية فى منطقة القرن الأفريقى ومبادرة الحزام والطريق الصينية.
ورغم أن الصين تمثل الشريك التجارى والمستثمر الأول فى أثيوبيا، ورغم بروز تصريحات صينية تؤيد حق مصر في أمنها المائى وتدعو للإلتزام بالقانون الدولى،
إلا أن حدود ممارسة بكين لـ “ضغط خشن” على أديس أبابا، تخضع لعدة محددات أساسية، منها:
(حجم النفوذ الإقتصادى الصينى فى أثيوبيا من حيث التمويل والبنية التحتية الصينية فى أديس أبابا)،
وهنا تسيطر الشركات الصينية على الحصة الأكبر من (مشاريع البنية التحتية، والطرق، والإتصالات، والمناطق الصناعية) فى أثيوبيا.
مع ملاحظة تمويل المصارف والشركات الصينية جوانب تقنية وكهربائية هامة مرتبطة بسد النهضة، تشمل( توريد التوربينات والمعدات التقنية لأثيوبيا)،
وتمويل خطوط نقل الكهرباء بقيمة تقارب ١.٢ مليار دولار. وهنا، تمتلك الصين ورقة الديون لصالحها فى مواجهة أثيوبيا،
بالنظر لكون أن نحو نصف الديون الخارجية لأثيوبيا لصالح بكين، وحكومة آبى أحمد فى أثيوبيا تعتمد بشكل شبه كامل على تمديد أو إعادة هيكلة هذه القروض لتجنب الإنهيار الإقتصادى لأثيوبيا.
– ولكن من جهة أخرى، هناك محددات تمنع الصين من إستخدام الضغط المباشر على أثيوبيا،
على الرغم من تملك بكين للأدوات الإقتصادية، ولكن فإن تحويلها إلى “ورقة ضغط سياسى” لإجبار حكومة “آبى أحمد” على تقديم تنازلات لصالح مصر،
مازال يواجه عقبات جوهرية فى العقيدة السياسية الصينية، منها:
(مبدأ عدم التدخل)، حيث ترتكز الدبلوماسية الصينية على مبدأ “عدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول”،
وتتجنب فرض شروط سياسية علنية مقابل إستثماراتها لتظل الشريك المفضل للأنظمة الأفريقية مقارنةً بالغرب.
فضلاً عن الأهمية الإستراتيجية لأديس أبابا بالنسبة للصين.
وهنا، ترى بكين فى أثيوبيا بوابة رئيسية لنفوذها فى منطقة شرق أفريقيا، ومحوراً أساسياً فى “مبادرة الحزام والطريق الصينية”.
والإضرار بالعلاقة مع حكومة “آبى أحمدؤ” قد يدفعها للإرتماء فى أحضان قوى دولية أخرى أو إفشال المشروعات الإستثمارية الصينية القائمة.
– وهنا تفضل بكين إتباع سيناريو “الوساطة الهادئة” وليس الضغط بدلاً من أسلوب “الضغط والتهديد” بإيقاف الإستثمارات الصينية لدى أديس أبابا،
وهنا يرجح دور الصين فى اللجوء إلى الوساطة الدبلوماسية الناعمة وغير المعلنة، لعدة أسباب، منها: (التوازن مع مصر)،
حيث تتمتع الصين أيضاً بعلاقات إستراتيجية وإقتصادية عملاقة مع مصر (حجم تبادل تجاري يتجاوز ٢٥ مليار دولار فى عام ٢٠٢٦)،
مما يفرض على بكين إيجاد صيغة متوازنة تحمى مصالحها فى القاهرة وأديس أبابا معاً.
ومن هنا، تسعى بكين عبر مبعوثها الخاص لمنطقة القرن الأفريقى وشرق أفريقيا وأثيوبيا، إلى تقريب وجهات النظر والبحث عن حلول وسطية تضمن إستقرار المنطقة،
لأن إندلاع أى صراع عسكرى أو عدم إستقرار سياسى سيهدد مليارات الدولارات من الإستثمارات الصينية المباشرة فى البلدين.
– ومن هنا نفهم بدقة، بأن الصين تمتلك نظرياً أوراق ضغط إقتصادية خانقة ضد نظام “آبى أحمد” فى أثيوبيا، لكنها تفضل إستخدامها كـ “مظلة لتسهيل الحوار والوساطة الهادئة” بدلاً من الضغط الخشن،
وذلك لضمان تأمين مصالحها وإستثماراتها دون أن تظهر بمظهر الطرف المنحاز فى أزمة سد النهضة.
٣) دور الصين فى التمويل التقنى والكهربائى المرتبط بالسدود وشبكات نقل الطاقة وإستخدامه كأداة ضغط على أثيوبيا للتفاوض مع مصر بخصوص أزمة سد النهضة:
– فعلى الرغم من أن أثيوبيا تعتمد على التمويل الذاتى لبناء جسم سد النهضة، إلا أن الشركات والمصارف الصينية قدمت قروضاً ضخمة تجاوزت ٣ مليارات دولار لتمويل التوربينات، وتطوير البنية التحتية، وخطوط نقل الكهرباء من السد إلى المدن الإثيوبية والدول المجاورة.
وبناءً عليه، يمكن للصين ممارسة الضغط على أثيوبيا عبر إستطاعتها تجميد العقود الفنية للصيانة أو الإمتناع عن تمويل شبكات السدود المستقبلية التى تخطط أثيوبيا لإنشائها على النيل الأزرق.
– وهنا، تلعب الصين دوراً جوهرياً وحاسماً فى التمويل التقنى والكهربائى المرتبط بسد النهضة الأثيوبي وبنيته التحتية.
ورغم هذا النفوذ الإقتصادى الواسع، تتبنى بكين سياسة “الحياد البراغماتى” وتتجنب إستخدام هذا التمويل كأداة ضغط فجة ومباشرة على أثيوبيا.
ويأتى ذلك حفاظاً على توازن توازن دقيق ومصالح استراتيجية مشتركة تجمعها بكل من القاهرة وأديس أبابا.
– ويتلخص حجم الدعم التقنى والتمويلى الصينى لشبكات الكهرباء الأثيوبية، ومحددات توظيفه كورقة ضغط، عبر (حجم التمويل التقنى والكهربائى الصينى لسد النهضة)،
فبينما تحملت أثيوبيا التكلفة الإنشائية المباشرة للسد عبر السندات الوطنية والتبرعات، ركزت الصين على شريان الحياة التقنى والكهربائى للمشروع، من خلال:
(تمويل الصين لخطوط نقل الطاقة)،
فقد قدمت الصين فى عام ٢٠١٣ قرضاً بقيمة ١.٢ مليار دولار لبناء شبكات ومحولات نقل الكهرباء فائقة الجهد لربط السد بالمدن الأثيوبية الرئيسية والدول المجاورة.
فضلاً عن دور الصين فى (تطوير البنية التحتية للطاقة بأثيوبيا)، فقد تعهدت بكين بقرض إضافى بقيمة ١.٨ مليار دولار فى عام ٢٠١٩، لتحديث وتوسيع شبكة الكهرباء والطاقة المتجددة المرتبطة بمشروع سد النهضة فى أثيوبيا.
كما شاركت عدداً من الشركات الصينية المملوكة للدولة الصينية فى إمداد أثيوبيا بالمعدات والتوربينات اللازمة لسد النهضة، مثل: (سينوهيدرو، جى تشوبا، مجموعة فويث هيدرو شنغهاى)
(Sinohydro, Gezhouba, Voith Hydro Shanghai Group)
وشاركت هذه الشركات الصينية بشكل مباشر فى توريد وتركيب التوربينات والمعدات الكهروميكانيكية اللازمة لتوليد الطاقة بالسد.
– ولكن، هناك العديد من المحددات لإستخدام التمويل الصينى كأداة ضغط للتفاوض مع أثيوبيا بخصوص أزمة سد النهضة مع مصر،
حيث تمتلك الصين نظرياً أوراق ضغط هائلة بحكم أنها الدائن الأكبر لأثيوبيا ومطور شبكتها الكهربائية، إلا أن توظيف هذه الأوراق يواجه محددات معقدة، منها:
(النهج الصينى فى مبدأ عدم التدخل، حيث تقوم السياسة الخارجية الصينية على عدم التدخل الصريح فى الشؤون الداخلية للدول الحليفة لتجنب خسارة نفوذها الإقتصادى،
والتوازن الجيوسياسى للصين بين مصر وأثيوبيا، فأثيوبيا هى المقر الرئيسى للإتحاد الأفريقى ومحور أساسى فى مبادرة “الحزام والطريق الصينية” بشرق أفريقيا ومنطقة القرن الأفريقى،
ومصر حليف إستراتيجى ضخم وبوابة للتجارة الصينية نحو أوروبا، فضلاً عن طبيعة السد اللوجستية، فإكتمال البناء الإنشائى للسد يجعل الضغط الصينى على الجوانب الفنية الكهربائية أداة للمناورة التقنية فقط وليس لوقف المشروع بالكامل).
– ومن جانب آخر، تمتلك مصر العديد من أوراق الضغط الإقتصادى على الصين لحثها على لعب دور لصالحها مع أثيوبيا، عبر تفعيل مصر للشراكة الإستراتيجية الشاملة مع بكين.
حيث تسعى مصر للإستفادة من عصر العلاقات “الذهبى” مع بكين لحثها على تبنى دور الوسيط الهادئ والفاعل فى أزمة سد النهضة مع أثيوبيا،
كما تمثل إستثمارات الصين فى “المنطقة الإقتصادية لقناة السويس” وحجم التبادل التجارى الضخم الصينى مع مصر محفزاً لبكين لمراعاة الأمن المائى المصرى.
وهنا يمكن لمصر الإستفادة من (الدور الصينى فى أوجه الوساطة الفنية التقنية بخصوص إدارة أزمة سد النهضة مع أثيوبيا)،
فهنا يمكن للصين إستخدام خبرتها فى إدارة السدود الكبرى لتقديم حلول لـ (تقاسم المياه، وحسابات فترات الجفاف أثناء تشغيل التوربينات).
– وبصفتى أكاديمية وخبيرة مصرية معروفة دولياً فى الشأن السياسى الصينى،
أقترح على صناع القرار فى الصين تبنى نهج (سيناريو الوساطة الصينية المرتقب بدلاً من أسلوب الضغط والإجبار على أثيوبيا لحل أزمة سد النهضة مع مصر)،
وهنا يمكن أن تتدخل الصين كوسيط تكنولوجى وتنموى لحل الأزمة المشتعلة بين مصر وأثيوبيا، عبر طرح بدائل إقليمية، تضمن:
(أمن التشغيل الفنى، عبر تقديم الصين حلول هندسية لأثيوبيا تضمن توليد أثيوبيا للكهرباء عبر التوربينات الصينية دون الإضرار بالتدفقات المائية إلى مصر والسودان.
فضلاً عن أهمية الربط الإقليمى بين أزمة سد النهضة الأثيوبى عبر “مبادرة الحزام والطريق” للصين، عبر دعم الصين لمشاريع تنموية موازية لمصر لتعويض العجز المائى أو الطاقة،
مثل “شبكات الربط الكهربائى القارى وسكك الحديد الإقليمية” لتخفيف حدة الصراع الجيوسياسى بين مصر وأثيوبيا).
٤) الغطاء الدبلوماسى للصين فى مجلس الأمن الدولى عبر إستخدام حق النقض أو “الفيتو” وقرارات الشرعية الدولية لحل أزمة سد النهضة دبلوماسياً ودولياً بين مصر وأثيوبيا:
– فقد إعتمدت إثيوبيا تاريخياً على الدعم الصينى (والروسى) داخل مجلس الأمن الدولى لتعطيل أى قرارات أو مساعٍ مصرية وسودانية لتدويل أزمة السد أو فرض عقوبات تحت (البند السابع).
ولكن يمثل التغير النسبى فى النبرة الصينية وتأكيدها علناً على حقوق مصر المائية إشارة واضحة لأديس أبابا بأن الغطاء الدبلوماسى فى المحافل الدولية ليس شيكاً على بياض،
وأن بكين قد تمتنع عن التصويت أو تدعم مسارات تفاوضية ملزمة دولياً لأثيوبيا لحل أزمة سد النهضة مع مصر. فالغطاء الدبلوماسى الصينى لأثيوبيا فى مجلس الأمن الدولى لم يعد شيكاً على بياض،
بل أصبح محكوماً بحسابات بكين المعقدة لمصالحها المتنامية مع مصر والدول العربية والأفريقية.
– ويمكن تفكيك هذا المشهد الدبلوماسى وتحليل هذا التحول عبر فهم الموقف التاريخى، وإستخدام الفيتو كأداة للتعطيل ورفض التدويل.
وهنا قد إستندت أثيوبيا تاريخياً إلى مبدأ الصين (وروسيا) الثابت فى السياسة الخارجية، وهو “رفض التدخل فى الشؤون الداخلية للدول” ورفض تدويل النزاعات الإقليمية،
مما حال دون صدور أى قرار ملزم ضد أديس أبابا تحت (الفصل السابع). مع تفضيل الصين لمبدأ (المظلة الأفريقية) لحل أزمة سد النهضة والنزاعات الأفريقية. فقد ضغطت بكين بإستمرار لتبقى الأزمة داخل أروقة الإتحاد الأفريقى،
وهو مسار إستغلته أثيوبيا لكسب الوقت وفرض سياسة الأمر الواقع عبر مراحل الملء المتتالية.
– فى الوقت الذى يجب علينا تفهم أسباب التحول النسبى فى الموقف الصينى لتأييد حق مصر المشروع فى حماية أمنها المائى والغذائى، لدور الشراكة الإستراتيجية الصينية مع مصر.
وهنا، تنظر الصين إلى مصر كبوابة رئيسية لمشروعها العالمى لـ “الحزام والطريق” فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، ولا ترغب فى خسارة حليف إستراتيجى كمصر يتحكم في قناة السويس.
فضلاً عن دور الدبلوماسية العربية-الصينية فى حل الصراعات وتبنى مواقف مشتركة. فقد وسعت الصين نفوذها فى المنطقة العربية.
مثل (القمم العربية الصينية)، ووجدت أن الإنحياز المطلق لأثيوبيا يهدد علاقاتها مع كتلة دولية حيوية تدعم الموقف المصرى والسودانى.
ومن ناحية أخرى، تدرك بكين أن أى تصعيد عسكرى أو إنهيار أمنى فى منطقة القرن الأفريقى وحوض النيل سيضر بالإستقرار الإقليمى، وسيضر مباشرةً بالإستثمارات الصينية الضخمة فى كلا البلدين (مصر وأثيوبيا).
– وأخيراً، يتبقى لدينا تفهم
(سيناريوهات الغطاء الدبلوماسى الصينى مستقبلاً بخصوص أزمة سد النهضة بين مصر وأثيوبيا)
إذا تم اللجوء مجدداً إلى مجلس الأمن الدولى، فهنا لن يكون الموقف الصينى بالضرورة فيتو قاطعاً لصالح %ثيوبيا،
بل قد يتخذ الأشكال التالية، منها: (الإمتناع الصينى عن التصويت لصالح أديس أبابا)، عبر السماح بمرور قرارات صينية داخل أروقة مجلس الأمن الدولى تحث على حل ملزم لأزمة سد النهضة دون إحراج أديس أبابا مباشرةً.
فضلاً عن (إمكانية الضغط الصينى خلف الكواليس)، وذلك عبر دفع أثيوبيا نحو توقيع إتفاق قانونى ملزم مع مصر، ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، مع ضمان عدم الإضرار بالأمن المائى لمصر.
– ويمكن خلال الجدول التالى الذى صممته الباحثة المصرية لصناع القرار فى الصين، يمكننى من خلاله توجيههم لموازنة مصالحهم بين القاهرة وأديس أبابا بخصوص حل أزمة سد النهضة بين مصر وأثيوبيا، على النحو التالى:
– من حيث الثقل الإستراتيجى والموقع والجيوسياسة
– الثقل الإستراتيجى فى أثيوبيا: تقع فى قلب منطقة القرن الأفريقى ومقر الإتحاد الأفريقى
– الثقل الإستراتيجى فى مصر: التحكم فى قناة السويس (محور مبادرة الحزام والطريق الصينية)
– من حيث حجم الإستثمارات:
– أثيوبيا: الصين هى أكبر مستثمر أجنبى وممول للبنية التحتية وشبكات الطاقة بأثيوبيا
– مصر: إستثمارات صينية ضخمة بمصر تتجاوز ١٢ مليار دولار (المنطقة الإقتصادية لقناة السويس، العاصمة الإدارية)
– من حيث التعاون العسكرى:
أثيوبيا: تعاون تقليدى ومحدود مع الصين مقارنةً بالجانب الإقتصادى والتنموى
مصر: تعاون عسكرى متنامٍ جداً مع الصين، مثل: (مناورات “نسور الحضارة” وتصنيع مشترك للطائرات المسيرة)
وبناءً على التحليل والجدول السابق الذى صممته الباحثة المصرية خصيصاً لصناع القرار فى الصين، نفهم تفوق المصالح الصينية مع مصر فى ملفات الملاحة الدولية (قناة السويس) والإستثمارات الصناعية الكبرى،
الأمر الذى قد يدفع بكين تدريجياً للتخلى عن سياسة الحياد المطلق والضغط الهادئ على أثيوبيا للقبول بإتفاق قانونى ملزم للجانب الأثيوبى لحل أزمة سد النهضة مع مصر،
تجنباً لإنفجار الأوضاع فى منطقة تريد فيها الصين الحفاظ على إستقرار إستثماراتها عبر مبادرتها للحزام والطريق.

