في قمة شنغهاي تتغير المعادلة: حين تتحول إيران من ورقة في لعبة العقوبات إلى فاعل في تشكيل التوازنات الجديدة - النايل نيوز
الثلاثاء, سبتمبر 1, 2026
الرئيسيةمنوعاتفي قمة شنغهاي تتغير المعادلة: حين تتحول إيران من ورقة في لعبة العقوبات إلى فاعل في تشكيل التوازنات الجديدة
منوعات

في قمة شنغهاي تتغير المعادلة: حين تتحول إيران من ورقة في لعبة العقوبات إلى فاعل في تشكيل التوازنات الجديدة

في قمة شنغهاي تتغير المعادلة: حين تتحول إيران من ورقة في لعبة العقوبات إلى فاعل في تشكيل التوازنات الجديدة
نوال عباسي-تونس
منتدى سيف القدس

في لحظة فارقة تعيد رسم خريطة التحالفات الدولية، انعقدت قمة شنغهاي للتعاون في بشكيك لتكتب فصلا جديدا في تاريخ العلاقات الدولية، في وقت تواجه فيه إيران أشرس حملة عقوبات أميركية. لكن جوهر ما تختبره هذه القمة لا يتعلق بما إذا كانت تشكل مظلة كافية لطهران، بل بما إذا كانت إيران، بوصفها لاعبا يمتلك أوراقا متعددة، تحتاج أصلا إلى مظلة تحميها، أم أنها تقف اليوم في منعرج تاريخي كشريك ندّ في معادلة القوى الكبرى.

لم تكتفِ قمة بشكيك بإصدار بيانات سياسية، بل تجاوزت ذلك إلى توثيق التضامن مع الشعب الإيراني في وثيقة رسمية، جاء فيها أن الدول الأعضاء تتضامن مع إيران حكومة وشعبا، مؤكدة ضمان سيادتها وأمنها ووحدة أراضيها. وفي هذا السياق، حرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائه مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وهو اللقاء السادس بينهما، على توجيه تحية خاصة لقائد الثورة الإيرانية، في رسالة سياسية حملت دلالات تتجاوز البروتوكول لتؤكد عمق العلاقة الاستراتيجية بين موسكو وطهران. وقد صرّح بوتين بأن “العلاقات الروسية الإيرانية تتطور بثبات في جميع الاتجاهات” وأكد تضامن الشعب الروسي مع الشعب الإيراني في الدفاع عن مصالحه. وبدوره، اعتبر بزشكيان أن موسكو وطهران يمكنهما معاً مقاومة “الأحادية الأميركية”، معرباً عن ثقته بأنه “يمكن تحييد جميع العقوبات المفروضة” من خلال التعاون متعدد الأطراف. وهذا التجاهل الواضح للتهديدات الأميركية ليس ضعفا، بل يعكس إرادة جماعية لتجاوز الهيمنة الغربية، كما جاء في البيان الختامي الذي شدد على رفض الإجراءات القسرية والعقوبات الأحادية.

في المشهد نفسه، يلفت الانتباه غياب قادة دول الخليج عن مسرح الأحداث، لكن هذا الغياب لا يعكس عزوفا بقدر ماهو تجسيد لاستراتيجية “التحوط” التي تنتهجها الرياض وأبوظبي. فجميع دول الخليج تحمل صفة “شريك حوار” في المنظمة، وهي مرتبة متقدمة تسبق العضوية الكاملة، تتيح لها الانخراط في الملفات الاقتصادية ومشاريع الممرات التجارية العملاقة دون الالتزام الكامل بالقرارات الملزمة أو الاصطفاف في الصراعات الإقليمية. هذا الموقف المرن يسمح لدول الخليج بموازنة علاقاتها الأمنية مع واشنطن وانفتاحها الاقتصادي على الشرق، وإدارة علاقتها مع إيران ضمن إطار متعدد الخيارات بعيدا عن ثنائية العداء أو التحالف الكامل، في تأكيد على أن عالم تعدد الأقطاب لا يفرض خيارات قطعية، بل يتيح مساحات جديدة للتحرك بحذر وتدرّج.

في قراءة استراتيجية للمأزق الأمريكي، يبدو لجوء إدارة ترامب إلى تصعيد العقوبات الاقتصادية على إيران بمثابة اعتراف ضمني بعجز الخيار العسكري عن تحقيق أهدافها. فالحرب التي شنّتها واشنطن على إيران لم تحقق أيا من أهدافها المعلنة، بل كشفت عن أزمات عميقة داخل المؤسسة العسكرية الأميركية تجلت في موجة إقالات غير مسبوقة قادها وزير الحرب بيت هيغسيث. فقد أُجبر الجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش الأميركي، على التقاعد الفوري في أبريل 2026، في خطوة اعتبرتها وسائل إعلام أميركية “انقلاباً على تقاليد الجيش”، تلتها إقالة أكثر من اثني عشر قائداً عسكرياً رفيعاً. ولم تقتصر التداعيات على هذا المستوى، بل تجاوزتها إلى استقالة وزير الجيش الأمريكي دان دريسكول في 31 أغسطس 2026، بعد أشهر من الخلافات الحادة مع هيغسيث بشأن إقالة كبار الضباط وتوجهات تحديث الجيش، ليغادر البنتاغون في اليوم التالي. وجاءت استقالة دريسكول، وهو صديق مقرب لنائب الرئيس جي دي فانس وأصغر من شغل هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة، في وقت دخلت فيه الحرب على إيران شهرها السادس دون مؤشرات على نهايتها. وكما لاحظت مجلة “ذا أتلانتيك”، فإن “استقالة دريسكول هي آخر علامة على خلل كبير في البنتاغون”، مشيرة إلى أن تعيين هيغسيث، وهو مذيع سابق في قناة فوكس نيوز وخبرته الأمنية محدودة، كان “رهاناً محفوفاً بالمخاطر” منذ البداية، وأن اختياره تم “على أساس الولاء لترامب وحده”.

وهنا يتجلى الدرس الذي يستحضره المؤرخ بول كينيدي في كتابه “صعود وسقوط القوى الكبرى”؛ إذ يرى أن الإفراط في التوسع العسكري، حين يفوق قدرة الدولة الاقتصادية على تحمله، يؤدي إلى تآكل أسس القوة من الداخل. وهذا ما يبدو جليا في البنتاغون اليوم، حيث تحولت الحرب إلى مستنقع يستنزف القيادات والموارد على حد سواء، في تناقض صارخ مع صورة “القوة العظمى” التي طالما روّجت لها واشنطن. فالتضخم في الإنفاق الدفاعي، والانخراط في حروب طويلة الأمد، واستنزاف الكوادر القيادية في خضم المعارك، كلها علامات تنذر، وفق رؤية كينيدي، بأن الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تبدأ بالانهيار من داخلها حين تفقد التوازن بين ما تملكه وما تريد إخضاعه.

وهنا يفرض السؤال نفسه بثقل المعادلات الجديدة: هل تحتاج إيران إلى مظلة لحمايتها؟ السؤال نفسه يفترض ضعفا لا تظهره طهران. فما قد يقرأه البعض كغطاء توفره منظمة شنغهاي هو في جوهره اعتراف من موسكو وبيكين بأن إيران أصبحت رقما صعبا في المعادلة الجديدة. فطهران تمتلك اليوم أوراقا متعددة تجعلها فاعلا لا يُستهان به، بل ربما صانع مفاجآت ومعادلات. ففي الداخل، أثبت الاقتصاد الإيراني مناعة فائقة، حيث نجحت طهران في إعادة هيكلة علاقاتها التجارية بعيدا عن الدولار، وبناء سلاسل توريد بديلة مع الصين وروسيا وتركيا، رغم سنوات الحصار الأشد. أما خارجيا، فلا تقتصر أوراق إيران على علاقتها مع محور شنغهاي، بل تمتد إلى محاور متعددة: فهي جسر الطاقة الذي لا يمكن تجاوزه بين الشرق والغرب، ولاعب أساسي في التوازنات الخليجية بعد اتفاق المصالحة مع السعودية، وقوة إقليمية تمتلك شبكة من الحلفاء تمتد من بيروت إلى صنعاء. كما أن موقعها الجغرافي يمنحها حق النقض العملي على أي ممر تجاري في المنطقة، من مضيق هرمز إلى ممر الشمال-الجنوب الذي يشكل شريانا حيويا بطول 7200 كيلومتر يربط روسيا بالهند عبر إيران، ويوفر بديلا استراتيجيا لقناة السويس. وربما الأخطر في جعبتها أنها تمتلك القدرة على تصعيد الملف النووي أو إغلاق المضيق أو فتح جبهات جديدة في أي لحظة، مما يجعل حسابات واشنطن وتل أبيب مبنية على رمال متحركة.

لذلك لم تكن قمة بشكيك مجرد منصة لتصدير البيانات السياسية، بل تجاوزتها إلى بناء هيكل مؤسسي يهدف إلى تحويل التضامن النظري إلى آليات عملية. فقد شهدت القمة نقاشات معمقة حول تفعيل قدرات الأمانة العامة للمنظمة، وأسفرت عن توقيع 28 وثيقة توزعت على مجالات الأمن والاقتصاد والتنمية، تنوعت بين “إعلان بيشكيك” بمناسبة الذكرى الـ25 للمنظمة، وبروتوكول تعديل ميثاقها، وإنشاء مركز عالمي لمواجهة التحديات الأمنية، ومركز لمكافحة الجريمة المنظمة في بيشكيك، وبرامج لمكافحة المخدرات والمخدرات الاصطناعية حتى عام 2030، فضلاً عن خارطة طريق لتطوير الموانئ والمراكز اللوجستية، ومفهوم إنشاء مراكز إقليمية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وبرنامج التعاون في مجال “الممر التكنولوجي الأخضر”، ومذكرات تفاهم بشأن التعاون في تغير المناخ والذكاء الاصطناعي، إلى جانب اتفاقيات للتعاون مع مفوضية الاتحاد الأفريقي.

كما طرحت أوزبكستان مبادرة طموحة لإنشاء “خريطة التعاون الصناعي”، وهي منصة رقمية موحدة تهدف إلى تحديد الفرص الصناعية وربط المنتجين بالأسواق. وقد شكلت الممرات التجارية محوراً رئيسياً في أجندة القمة، مع التركيز على مشاريع استراتيجية تعيد تشكيل خرائط النقل في أوراسيا، وفي مقدمتها سكة حديد الصين-قرغيزيا-أوزبكستان التي ستمثل أقصر طريق بري يربط الصين بآسيا الوسطى والجنوبية، وممر الشمال-الجنوب الذي يمر عبر إيران ويعزز دورها كجسر بين أوروبا وآسيا. ومن المقرر أن يبدأ بنك التنمية التابع للمنظمة عمله برأسمال قائم على العملات الوطنية للدول الأعضاء، مما يوفر بدائل تمويلية مرنة بعيداً عن شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وكما يرى عديد المحللين والخبراء فإن منظمة شنغهاي للتعاون تؤسس بشكل عملي لعالم متعدد الأقطاب، وتقدم نموذجاً بديلاً لإدارة العلاقات الدولية قائماً على التعددية والاحترام المتبادل والتوازن، الأمر الذي يسهم في تقليص هيمنة القطب الواحد تدريجيا. غير أن المحللين يشيرون إلى أن المنظمة تواجه تحديات داخلية، منها النزاعات الحدودية والتنافس الجيوسياسي والتفاوت الاقتصادي الكبير بين الأعضاء، مما قد يعيق جهود التكامل.

في هذا السياق، تنظر موسكو وبيكين إلى هذه القمة كفرصة لتغيير المعادلات الدولية، حيث تعمل الصين على تعزيز مبادرة الحزام والطريق كبديل للنظام المالي الغربي، وتقرأ روسيا في القمة فرصة لكسر العزلة الغربية المفروضة عليها بسبب الحرب في أوكرانيا. وقد عبّرت صحيفة “طهران تايمز” عن أن القمة تمثل فرصة استراتيجية لإيران لإعادة تعريف موقعها ضمن المحور الأوراسي، وتحويل عضويتها من وضع رمزي إلى أداة عملية، وتشجيع شركائها الرئيسيين على القيام بدور أكثر فاعلية في تشكيل النظام الناشئ في غرب آسيا. وفي المقابل، يرى محللون غربيون، مثل الدكتورة أناهيتا موتازيد راد من كلية لندن للاقتصاد، أن “إيران تقول لهذه المنظمة: عندما يتعرض أحد الأعضاء لضغوط عسكرية واقتصادية أميركية هائلة، ما مقدار الدعم العملي الذي يمكن لهذا النظام متعدد الأقطاب البديل أن يوفره؟”.
في هذا المشهد الاستراتيجي المعقد، تقدم قمة شنغهاي لإيران أكثر من مجرد غطاء دبلوماسي، بل توفر إطاراً للتعاون الاقتصادي والسياسي يمكن أن يخفف من وطأة العقوبات، وتعمل على بناء نظام اقتصادي بديل يعيد تشكيل الخرائط الجيوسياسية في أوراسيا. لكن فعالية هذه المظلة تظل مرهونة بقدرة المنظمة على تجاوز تناقضاتها الداخلية وتحويل التزاماتها إلى آليات عملية، وقدرة إيران نفسها على توظيف أوراقها المتعددة في لعبة القوى الكبرى. وفي هذا المخاض الذي يشهده العالم، وأمام انهيار البنية العسكرية الأميركية الذي تجسد في نزيف القيادات وتآكل التوازن بين الموارد والطموحات، تبقى إيران أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تحويل عضويتها في هذا التكتل إلى رافعة استراتيجية، لا مجرد غطاء رمزي في مواجهة الغطرسة الغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *