في ذكرى المولد النبوي الشريف: لنجدد العهد بإقامة شريعة الإسلام
بقلم: د. محمد عيسى الشاهدي
ترجمة: أحمد شوقي عفيفي
أجمعت الأمة الإسلامية على أن طاعة الله تعالى لا تستقيم إلا بطاعة رسوله المبعوث من عنده، نبينا الحبيب محمد المصطفى ﷺ،
والاقتداء به واتباع هديه، وهو ما يعبر عنه اصطلاحا باتباع السنة النبوية. والسنة هي ما أثر عن النبي ﷺ
من قول أو فعل أو تقرير،
وما تجلى من مجموع ذلك في سيرته ومنهجه في الحياة.
وتنقسم حياة النبي الكريم ﷺ إلى مرحلتين: حياة مكية وأخرى مدنية. فقد بعث ﷺ، وهو ابن أربعين عاما،
ثم قضى بعد بعثته ثلاثة عشر عاما في مكة، ذاق خلالها صنوفا من الأذى والاضطهاد على أيدي كفار قريش ومشركيها.
أما المرحلة الثانية، فقد استهلت بهجرته ﷺ من مكة إلى المدينة، وامتدت عشرة أعوام حتى وفاته،
أقام خلالها المجتمع الإسلامي ونظام الدولة في مسيرة حافلة بالكفاح والجهاد والمعارك.
وقد قال النبي ﷺ: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين.
وفي ضوء هذا الحديث، فإن الاقتداء بسنته في حياته المدنية، التي امتدت عشر سنوات، يقتضي إقامة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية.
كما تقع على عاتق المسلمين مسؤولية الإفادة من تجربة الخلفاء الراشدين في إدارة الدولة، وهي تجربة امتدت ثلاثين عاما.
ويشهد التاريخ بأنهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
ويبقى السؤال موجها إلى من يحبون أن يعرفوا أنفسهم بأنهم مسلمون غير سياسيين،
أو ينكرون فكرة الدولة الإسلامية: إذا كان النبي ﷺ قد أوجب اتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين،
فماذا يكون مقتضى هذا الاتباع إن لم يكن الاقتداء بتجربتهم في إقامة المجتمع الإسلامي وإدارة الدولة الإسلامية؟
يقال إن عهد الخلفاء الراشدين لم يخل من نزاعات واقتتال وحروب داخلية، فما الذي يميز نظام الحكم في ذلك العهد عن غيره من أنظمة الحكم،
ولماذا يكون أولئك الخلفاء جديرين بالاقتداء؟ وأمام هذا السؤال يقع كثيرون في الحيرة تحت تأثير الدعاية الغربية.
غير أن مراد النبي ﷺ من توجيهه إلى اتباع الخلفاء الراشدين أن هؤلاء على ما أحاط بهم من حروب وصراعات ومحن وأزمات،
لم يحيدوا قيد أنملة عن سبيل الإسلام، ولم يتنكبوا طريق الحق والعدل.
فلم يعملوا لمصلحة شخصية أو فئوية، وإنما جعلوا سنة النبي ﷺ نصب أعينهم، ومضوا في أعمالهم ابتغاء مرضاة الله تعالى.
وقد اجتاز الخلفاء الأربعة الأوائل هذا الميزان على أكمل وجه، ومن هذا المنطلق عد عمر بن عبد العزيز أيضا في زمرة الخلفاء الراشدين.
أما الذين أثقلتهم معارك الحياة، وأحاطت بهم صنوف المشكلات، فإن الدرس الذي ينبغي أن يستلهموه هو أن يظلوا، في كل حال، مستمسكين بهدي الله ورسوله أشد الاستمساك.
سواء أقبل النصر أم حلت الهزيمة، وحتى إن خيم عليهم خوف القتل. فمن ثبت على هذا الطريق فهو ناجح منتصر، وإن أدركته الهزيمة في ظاهر الأمر.
وهنا يتجلى معنى القول: إن العاقبة للمتقين.
وليس معنى أنني مسلم أسير على طريق الله أن أكون بمنأى عن الحزن والألم، أو ألا يصيب زوجتي مرض أو علة، فليس الأمر كذلك.
بل إن الثابتين على سبيل الله من الأنبياء والرسل عليهم السلام وأولياء الله، كانوا أشد الناس تعرضا للمحن والابتلاءات.
أما الذين ينظرون بعين النقد إلى الاضطرابات التي وقعت في عهدي عثمان وعلي رضي الله عنهما، ويأبون أن يجعلوهما ميزانا للحق،
فكأنهم يقولون: كيف يمرض من يسير في سبيل الله؟ ولماذا لا يتولى الله رعايته؟
يعجز الغربيون، ومن صيغت عقولهم من المسلمين في قوالب الفكر الغربي عن إدراك مغزى شريعة الله الخالدة.
فما أقيمت هذه الحياة الدنيا إلا ميدانا للابتلاء ليتبين مدى ثبات الإنسان على الحق ومقدار رسوخه فيه.
وقد اجتاز الخلفاء الراشدون هذا الامتحان على أكمل وجه، فلم يحيدوا عن سبيل الله قيد أنملة،
وتلك هي حقيقة نجاحهم، ومن هنا كانوا معيارا للحق.
أما الذين يمارسون السياسة الانتهازية باسم الإسلام، فيذهبون إلى أن المسلمين والنبي ﷺ قد تعرضوا في العهد المكي لصنوف من الاضطهاد،
وأن الآفاق من حولهم كانت غارقة في ظلمات الجاهلية، حتى كان التفكير في إقامة الدولة الإسلامية أو تطبيق الشريعة أمرا متعذرا في تلك الظروف.
ثم يقولون: إننا نعيش اليوم في جاهلية جديدة، ولذلك لا يتحدث قادتنا عن تطبيق الشريعة أو إقامة نظام الدولة الإسلامية.
وأود أن أسأل أولئك الذين استسلموا لهذه المغالطات ووقعوا في أسر خداع الذات:
لقد انقضى العهد المكي، وأعقبه العهد المدني، ومضى على ذلك نحو أربعة عشر قرنا ونصف قرن.
وقد بلغت رسالة الإسلام آفاق الأرض، وانجلى الحق وظهر، وأعلن الله تعالى في حجة الوداع إكمال الدين وإتمام النعمة،
فقال سبحانه: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.
فبعد عشر سنوات من حياة رسول الله ﷺ في المدينة، ثم ثلاثين عاما من عهد الخلافة الراشدة بأي وجه يقال اليوم: إننا ما زلنا نعيش المرحلة المكية؟
وبعد أن صارت تعاليم القرآن والسنة بين أيدينا، وتجارب التاريخ ماثلة أمامنا، كيف لمسلم أن يقول:
إنني لا أؤمن بأحكام الشريعة؟ وكيف يدعو الناس طوال حياته إلى العمل من أجل إقامة الدولة الإسلامية،
ثم يقول قبيل الانتخابات: إذا وصلنا إلى السلطة فلن نطبق أحكام الشريعة؟
لقد أفضى هذا التصريح الصادر عنكم إلى إيصال رسالة ملتبسة إلى عامة الناس، إذ تولد لدى كثير منهم انطباع بأن الشريعة ليست قابلة للتطبيق،
وأن السعي إلى إقامة الخلافة أو الدعوة إلى إقامة الدولة الإسلامية ليس إلا حلما بعيد المنال.
وبذلك غدت السياسة الممارسة باسم الإسلام في أعين المناوئين له ضربا من الخداع والتضليل.
إن الخطوة الأولى نحو تطبيق الشريعة أو إقامة نظام الدولة الإسلامية هي إيجاد رأي عام واسع يؤيدها ويطالب بها.
غير أن القادة أنفسهم يعانون في هذه المسألة من نوع من خداع الذات. ومن هنا، فإن أول ما ينبغي القيام به هو تبديد الشبهات المثارة حول الشريعة،
وإزالة ما يكتنفها من التباس، ثم تقديم تصور واضح وجميل لبنية الدولة الإسلامية أمام الناس.
ونرى أن تطبيق الشريعة، بوصفه ركنا أساسيا في نظام الدولة الإسلامية، أمر في غاية اليسر.
ومن أبرز مراحل تطبيقها إقامة الحدود، والحدود هي العقوبات المقررة شرعا.
وقد نص القرآن الكريم والسنة النبوية على عقوبات شديدة لخمس من الجرائم الاجتماعية، وهي ما يعرف بالحدود.
ومن ذلك مثلا أن عقوبة الزنا للمحصن هي الرجم حتى الموت، ولغير المحصن مائة جلدة، وأن عقوبة السرقة، إذا ثبتت قطع اليد والرجل،
وعقوبة السكر الناجم عن شرب الخمر نحو مائة جلدة، وعقوبة القتل القصاص أو دية كبيرة،
كما أن قذف المرأة في عرضها من غير أربعة شهود عيان عقوبته ثمانون جلدة.
ومن بين هذه الجرائم خمس، وردت عقوبات أربع منها في القرآن الكريم، وثبتت عقوبة الخامسة ثبوتا قاطعا في الحديث النبوي.
وليس لحكومة ولا لملك أو سلطان أن يغير شيئا من هذه العقوبات.
أما ما عدا ذلك، فثمة جرائم لا تندرج عقوباتها في نطاق الحدود، وإن كانت عواقبها على المجتمع بالغة الخطورة.
وفي مثل هذه الحالات، أناط الإسلام ببرلمان الدولة أو بالمجلس القضائي الأعلى حق سن القوانين بحسب مقتضيات الأحوال،
في ضوء القرآن والسنة وما توارث من تراث الماضي.
ومع أن الحدود قد تبدو في ظاهرها عقوبات شديدة، فإن التأمل في شروط تطبيقها يكشف أنها قد لا تنطبق على كثير من الحالات.
غير أنها تظل رادعا يحول بين الناس وبين اقتراف الجرائم.
والأمر الثاني الذي ينبغي التنبه إليه أن تطبيق الشريعة لا يتأتى إلا في ظل نظام قضائي قائم في البلاد أو يحظى بقبول عام،
إذ لا سبيل إلى إثبات الجريمة بما لا يدع مجالا للشك من غير رقابة أجهزة الدولة وتحقيقاتها.
ولنفترض أن شخصا أصيب بالعجز بعد تنفيذ العقوبة عليه، أو أن أبناءه وأسرته أصبحوا من غير عائل يتولى شؤونهم،
فإن مسؤولية رعايتهم تقع على عاتق الجهة التي تولت تنفيذ العقوبة.
وهذه الجهة لا يمكن أن تكون حزبا أو جماعة، وإنما لا بد أن تكون الحكومة القائمة في البلاد.
ومن هنا، لا يدعو أحد إلى إقامة الحدود في أرض لم تقم فيها حكومة إسلامية، أو لم يعترف فيها بشرعية أحكام الشريعة،
لأن الإقدام على ذلك في مثل هذه الحال قد يفضي إلى نتائج عكسية.
ويبقى السؤال: هل يعفينا الاحتجاج بعدم إمكان تطبيق الشريعة من مسؤوليتنا تجاهها؟
والجواب واضح:
كما أن الصلاة والصيام والحج والزكاة عبادات مفروضة، فإن إنفاذ أحكام الشريعة كذلك عبادة مفروضة.
ولماذا نصلي ونصوم؟ الجواب يسير: لأن القرآن الكريم والسنة النبوية قد أمرا بذلك.
وهنا يحق لنا أن نسأل: إذا كان القرآن والسنة قد تضمنا أمرا ملزما بإقامة الحدود، فكيف يسوغ لنا أن نتحلل من مسؤوليتنا تجاهها؟
ومن سبل الوفاء بهذه المسؤولية أن نمضي في السعي إلى إقامة الشريعة، وأن نعمل على تكوين رأي عام قوي مؤيد لها،
ثم حمل الحكومة على الاستجابة لهذا المطلب، أو أن نتولى نحن تشكيل الحكومة لننهض بمسؤوليتنا بوصفنا خلفاء لله.
إن تطبيق الشريعة ليس أمرا مستحيلا، ولا قضية بعيدة عن الواقع، فالتاريخ شاهد خالد على عراقة هذا التراث ورسوخه.
فبعد عهد الخلافة الراشدة، تعاقبت عصور الأمويين والعباسيين والفاطميين والعثمانيين وغيرهم،
ومع أن الخلافة لم تحتفظ في تلك العصور بجميع خصائصها على وجه الكمال، فإن النظام القضائي ظل قائما على أساس الشريعة.
ومن هنا نشأ ذلك التراث الفقهي والقانوني الواسع.
وفي الهند، وعلى امتداد ثمانية قرون من الحكم الإسلامي، لم يكن القانون البريطاني موجودا، وإنما كانت شؤون المجتمع ونظام القضاء تدار على أساس الشريعة.
وفي عهد السلطان عالمكير، جرى بمبادرته تدوين هذه الأحكام الشرعية وترتيبها في الفتاوى العالمكيرية.
ومن هنا ندعو إلى التحرر من التطلع إلى الدعم الأجنبي، والتخلص من حالة الجمود، وممارسة السياسة بنية التعبد لله،
والعمل على بيان محاسن الشريعة وتحليل جوانبها المشرقة، وبناء رأي عام مؤيد لها. وليكن ذلك عهدنا في عيد المولد النبوي الشريف لهذا العام.


