حين تضيع القيم.. كيف ننجو من طوفان الفوضى؟ - النايل نيوز
الثلاثاء, يوليو 21, 2026
الرئيسيةمقالاتحين تضيع القيم.. كيف ننجو من طوفان الفوضى؟
مقالات

حين تضيع القيم.. كيف ننجو من طوفان الفوضى؟

حين تضيع القيم.. كيف ننجو من طوفان الفوضى؟

✍️ بقلم: وائل عباس

لم يعد المتابع لما يدور حوله يحتاج إلى كثير من التأمل ليدرك أن مجتمعاتنا تمر بمرحلة شديدة القسوة ، تتزاحم فيها الأزمات الأخلاقية والاجتماعية ، حتى بات الإنسان يشعر وكأنه يعيش وسط صراع لا يرحم ، يتغلب فيه القوي على الضعيف ، ويُؤكل فيه الحق إن غابت العدالة والضمير .

لقد وصف النبي ﷺ زمناً تكثر فيه الفتن ، فقال : «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم». وفي حديث آخر قال : «سيأتي على الناس سنوات خداعات ، يُصدَّق فيها الكاذب ، ويُكذَّب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ، ويخوَّن فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة».

 

ومن المؤلم أن نرى صوراً متعددة لانهيار منظومة القيم ؛ فضعف احترام الوالدين وتفكك الأسرة وانتشار الجرائم ، ووقائع النصب والاحتيال ، وتزايد الضغوط الاقتصادية ، وما يصاحبها من حالات يأس أو انتحار ، كلها ظواهر تستدعي وقفة جادة من المجتمع بأسره .

كما أن بعض المحتويات الإعلامية والدرامية قد تسهم في تطبيع العنف أو السلوكيات المنحرفة إذا غابت عنها المسؤولية المهنية والرسالة الهادفة .

وقد حذر القرآن الكريم من الفساد في الأرض ، فقال تعالى :

﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾[الأعراف: 56]

وقال سبحانه :

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[الروم: 41]

 

ولعل من أخطر ما يهدد أي مجتمع أن يصبح الكذب عادة ، والنفاق وسيلة للنجاح ، وأن تضيع الأمانة ، وتُنسى الرحمة ، ويُحتقر الصادق ، ويُرفع شأن المنافق .

وقد قال رسول الله ﷺ: «آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان».

 

كما أن العقوق وتفكك الأسرة من علامات الخلل الأخلاقي ، وقد أمر الله بالإحسان إلى الوالدين فقال :

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾[الإسراء: 23]

 

وليس المقصود من رصد هذه الظواهر نشر اليأس أو تعميم الأحكام على المجتمع كله ، فما زال بين الناس خير كثير ، وما زالت هناك أسر صالحة ، وشباب مستقيم ، وعلماء مخلصون ، وأصحاب ضمائر حية. ولكن التحذير من الخطر واجب قبل أن يستفحل والمعالجة المبكرة أقدر على الإصلاح من الإنتظار حتى تتفاقم الأزمات .

ولكن كيف يكون العلاج … ؟؟؟

العلاج لا يكون بالشعارات ، وإنما بخطة متكاملة تبدأ من الفرد وتنتهي بالدولة :

أولاً :

العودة الصادقة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فالإيمان الحق يزكي النفوس ويقوم السلوك .

ثانياً :

إعادة بناء الأسرة على أساس المودة والرحمة ، وغرس احترام الوالدين ، وتحمل المسؤولية ، وحسن التربية .

ثالثاً :

تطوير التعليم ليكون بناءً للأخلاق قبل أن يكون تحصيلاً للمعلومات .

رابعاً :

تقديم إعلام ودراما يرسخان القيم الإيجابية ، ويبتعدان عن تمجيد الجريمة والعنف والانحراف .

خامساً :

تمكين المؤسسات الدينية والعلمية من نشر العلم الصحيح والوعي ، بعيداً عن الإثارة والفتاوى غير المنضبطة .

سادساً :

دعم الفئات الأكثر احتياجاً ، وتوفير فرص العمل ، والتخفيف من الضغوط الاقتصادية والنفسية التي قد تدفع بعض الناس إلى اليأس .

سابعاً :

تطبيق القانون بعدل وحزم على كل من يعتدي على حقوق الآخرين أو ينشر الفساد .

ويظل وعد الله قائماً لكل مجتمع يتمسك بالإصلاح ، قال تعالى

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[الرعد: 11]

 

إن إنقاذ المجتمع مسؤولية مشتركة ، تبدأ من ضمير الإنسان ، ومن تربية الأبناء ، ومن الكلمة الصادقة ، ومن القدوة الحسنة. فالأمم لا تنهض بالمال وحده ، وإنما تنهض بالأخلاق ، وإذا ضاعت الأخلاق ضاع معها الأمن والاستقرار ، مهما بلغت قوة الحضارة أو التقدم المادي .

نسأل الله أن يحفظ أوطاننا ، ويصلح أحوالنا ، ويؤلف بين القلوب ، وأن يرزقنا الصدق والأمانة والرحمة ، وأن يجعل مجتمعاتنا قائمة على العدل والخلق الكريم .



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *