«خيالك في عيني وذكرك في فمي».. بيت شعري حائر بين العشق والتصوف
✍️ بقلم/ أحمد الجندي
بيت من أعمق أبيات المحبة.. تعددت نسبته بين أبي الحكم الإشبيلي والمتنبي، واحتفظ بجماله رغم غياب قائله على وجه اليقين.
هناك أبيات شعرية تعيش أطول من أصحابها، وتنتقل من كتاب إلى آخر، ومن جيل إلى جيل،
حتى تصبح جزءًا من الذاكرة العربية، بينما يظل اسم قائلها غامضًا أو محل خلاف.
ومن أجمل هذه الأبيات:
خيالك في عيني وذكرك في فمي
ومثواك في قلبي فأين تغيب؟
بيت قصير في عدد كلماته، لكنه واسع في معناه، يجمع بين الخيال والذكر والقلب والغياب،
وكأن المحبوب، وإن غاب عن العين، لم يعد قادرًا على الغياب عن الوجدان.
خيال المحبوب لا يغيب
تبدأ الصورة الشعرية بـ«الخيال»؛ فالإنسان قد يغيب بجسده، لكن صورته تبقى حاضرة في عين المحب.
ثم ينتقل البيت إلى «الذكر» في الفم، وكأن المحبوب أصبح حاضرًا في الكلام نفسه،
قبل أن يصل الشاعر إلى أعمق موضع:
«ومثواك في قلبي»
وهنا يتحول الحضور من صورة تراها العين إلى معنى يسكن القلب.
ثم تأتي النهاية في صورة سؤال شديد التأثير:
«فأين تغيب؟»
وكأن الشاعر يقول إن الغياب الجسدي لم يعد له معنى، ما دام المحبوب حاضرًا في العين واللسان والقلب.
لمن هذا البيت؟
هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.
فالبيت نُقل في عدد من كتب الأدب والتصوف من غير نسبة واضحة إلى شاعر بعينه،
بينما نسبت مصادر أخرى البيت إلى أبي الحكم ابن غلندو الإشبيلي. وتشير مصادر تراثية إلى وروده في معجم الأدباء،
كما ورد بلا نسبة في كتب أخرى مثل ديوان الصبابة والمستطرف وتزيين الأسواق.
وهذا يجعل نسبة البيت إلى شاعر محدد أمرًا يحتاج إلى قدر من التحفظ،
خصوصًا أن البيت انتشر في كتب ومصنفات مختلفة بصيغ متقاربة.
هل قاله المتنبي؟
من أكثر النسب شيوعًا على شبكة الإنترنت أن البيت من شعر أبي الطيب المتنبي،
بل يُتداول كثيرًا بهذه الصيغة:
خيالك في عيني وذكراك في فمي
ونجواك في قلبي فأين تغيب؟
لكن انتشار النسبة لا يعني بالضرورة صحتها.
والأدق عند تقديم البيت للقارئ أن نقول إن البيت منسوب إلى أكثر من شاعر في بعض المصادر المتداولة،
بينما توجد مصادر تراثية تنسبه إلى أبي الحكم الإشبيلي، وأخرى ترويه بلا نسبة.
وهذا التفصيل مهم حتى لا ننسب شعرًا إلى المتنبي دون دليل حاسم.
البيت في كتب التصوف والمحبة
ولعل سر انتشار البيت في كتب التصوف والمحبة يعود إلى عمق المعنى الذي يحمله.
فالحضور هنا لا يعتمد على اللقاء، ولا يتوقف على القرب المكاني.
المحبوب حاضر في العين بخياله، وفي الفم بذكره، وفي القلب بمثواه.
ولهذا يمكن أن يجد فيه العاشق معنى، ويجد فيه المتصوف معنى آخر،
بينما قد يراه القارئ في سياق الرثاء تعبيرًا عن بقاء الراحل في الذاكرة والقلب.
وهذه القدرة على استقبال أكثر من معنى ربما كانت أحد أسباب بقاء البيت وانتشاره.
من الغزل إلى الرثاء والتصوف
الأبيات التي تتحدث عن حضور المحبوب رغم الغياب كثيرًا ما تتجاوز حدود الغزل التقليدي.
فالمعنى يمكن أن ينتقل بسهولة من حب الإنسان للإنسان إلى حب المريد لشيخه، أو المحب لمحبوبه،
أو تعلق الإنسان بمن فقده، بل ويمكن أن يُستحضر في المدائح النبوية عند بعض المنشدين باعتباره تعبيرًا عن شدة المحبة والحضور الوجداني.
وهنا تكمن قوة الشعر العربي؛ فالعبارة الواحدة قد تفتح أبوابًا متعددة للتأويل.
لماذا بقي البيت حيًا؟
ربما لأن الإنسان، مهما تغيرت الأزمنة، يعرف معنى أن يغيب شخص عن عينيه بينما يظل حاضرًا في ذاكرته.
قد يغيب الصوت، لكن يبقى صداه.
وقد يبتعد الوجه، لكن تبقى صورته.
وقد ينتهي اللقاء، لكن لا ينتهي أثره.
ولهذا يبدو السؤال الأخير:
«فأين تغيب؟»
أكثر من مجرد سؤال شعري.
إنه سؤال عن طبيعة الحضور نفسه.
فهل الغياب هو أن لا نرى المحبوب؟
أم أن الغياب الحقيقي يبدأ عندما يغادر القلب؟
وربما لهذا السبب تحديدًا ظل هذا البيت يتنقل بين الكتب والقلوب، حتى أصبح قائله أقل حضورًا من كلماته.


