بقلم الإعلامية/ سحر سعيد
كيف لنا أن نقود ثورة إصلاح حقيقية، وأن نضع حجر الأساس لدولة العدل والمساواة التي نطمح إليها جميعاً؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل المصيري لا تبدأ من الشعارات الرنانة، بل تنطلق من سلوكياتنا اليومية وقدرتنا على التواصل. والحقيقة المرة التي نواجهها اليوم هي أننا لا نتقن حتى الآن آداب النقاش والحوار مع بعضنا البعض، وهي العقبة الأولى في طريق أي نهضة مجتمعية.
وهم الامتلاك المطلق للحقيقة
لقد تحولت نقاشاتنا إلى ساحات للمغالبة لا للمقاربة؛ وكأن كل طرف فينا قد جاء إلى طاولة الحوار بأفكار مبرمجة سلفاً، غير قابلة للتغيير، أو التعديل، أو حتى المراجعة. ومهما حاولت أن تسوق لمحدثك من الحجج والبراهين والأدلة التي تثبت وجهة النظر المخالفة، تجده متمسكاً برأيه القديم وفق المبدأ الشعبي الشهير: “عنزة ولو طارت”. هذا الجمود الفكري يحول الحوار من أداة للبناء إلى وسيلة للهدم.
غوغائية التعالي وعقدة النقص
في كثير من الأحيان، لا يتوقف الأمر عند رفض الرأي الآخر فحسب، بل يتعداه إلى التفنن في السب، والشتم، وممارسة الاستعلاء اللفظي. يظن البعض -واهمين- أن الصوت العالي والترهيب هما الطريقة الأنجح لإقناع الآخرين وفرض الرأي.
لكن في القراءة النفسية والواقعية، فإن هذا الأسلوب الغوغائي لا يفعل شيئاً سوى فضح عقد النقص، والغيرة الدفينة تجاه الآخر. والمفارقة هنا، أن الشخص الغوغائي لا يؤذي خصمه بقدر ما يؤذي نفسه؛ إذ يغلق بيده كافة الأبواب التي قد تقوده يوماً إلى السعادة أو المعرفة الحقيقية.
التواضع هو سمة المثقف الحقيقي
على النقيض تماماً، نجد أن المثقف الحقيقي يتميز بالتواضع الجم بطبعه وفطرته. إنه الشخص الذي يملك الشجاعة والوعي للبحث عن الحقيقة أينما كانت، حتى وإن وجدها عند من هم أقل منه معرفة وخبرة، بل وحتى لو جرت على لسان خصومه والمختلفين معه في الرأي. التواضع الفكري هو السمة الفاصلة بين الوعي الحقيقي والادعاء الأجوف.
خاتمة: العودة إلى الإنسانية وحب الوطن
إن إصلاح المجتمع يبدأ من إرساء قواعد التراحم؛ فارحموا بعضكم بعضاً، وارحموا أنفسكم من شتات الخلافات العبثية. دعونا نتذكر دائماً أنه في نهاية المطاف، ومهما تباينت الآراء واختلفت الرؤى، فإن ما يجمعنا تحت سقف واحد أعمق بكثير: تجمعنا إنسانيتنا المشتركة، ويقودنا حب صادق لهذا الوطن.

