هل العدل يعني أن نكون متساويين؟ تأملات في الإنسان والحياة – الحلقة الثانية
الأحد, أغسطس 23, 2026
الرئيسيةخواطرهل العدل يعني أن نكون متساويين؟ تأملات في الإنسان والحياة – الحلقة الثانية
خواطرمقالات

هل العدل يعني أن نكون متساويين؟ تأملات في الإنسان والحياة – الحلقة الثانية

هل العدل يعني أن نكون متساويين؟
تأملات في الإنسان والحياة – الحلقة الثانية

✍️ بقلم / أحمد الجندي – كاتب و باحث علمي


نحن نحب كلمة المساواة.
نقول:
نريد أن يكون الجميع متساوين.
نريد فرصًا متساوية.
نريد حقوقًا متساوية.


 هل المساواة وحدها تعني العدل؟
هنا يبدأ السؤال الحقيقي.

 


تخيل كرة.

على سطح الكرة نقاط كثيرة جدًا، وكل نقطة تبعد عن المركز المسافة نفسها.


فلا توجد نقطة أقرب إلى المركز من أخرى، ولا نقطة أبعد منه.


مع ذلك…
لا توجد نقطتان تشغلان المكان نفسه.
كل نقطة لها موقعها.
كل نقطة لها اتجاهها.
وكل نقطة ترى العالم من مكان مختلف.


هذه الفكرة الهندسية البسيطة يمكن أن تفتح أمامنا بابًا كبيرًا للتأمل في الإنسان. 


نحن أحيانًا نعتقد أن العدل يعني أن نعطي الجميع الشيء نفسه.


 فهل هذا دائمًا عدل؟
لو أعطيت طفلًا وشيخًا الحذاء نفسه لأنني أريد أن أكون عادلًا معهما…
هل صنعت عدلًا؟
لا.


لأنني ساويت بينهما في الشيء، لكنني لم أنظر إلى اختلاف احتياجاتهما.


وهنا تظهر مفارقة جميلة:


 فلا يكون العدل أن يحصل الجميع على الشيء نفسه، وإنما أن يحصل كل إنسان على ما يناسب حقه وحاجته ومكانه.


تأمل الناس حولك.
أنت لست نسخة من شخص آخر.


قد يكون شخص أكثر علمًا منك في شيء، وأنت أكثر خبرة منه في شيء آخر.


قد يكون أحدهما قويًا في اتخاذ القرار، والآخر قويًا في الصبر.


أيضا يمكن لإنسان في مكان يفشل فيه غيره و يفشل شخص اليوم، بينما ينجح غدًا عندما تتغير الظروف.


فهل اختلاف النتائج يعني بالضرورة غياب العدل؟
ليس بهذه البساطة.


هذا لأننا غالبًا نحكم على النتيجة، بينما لا نعرف كل الظروف التي صنعتها.


نرى إنسانًا وصل إلى القمة، ولا نرى الطريق الذي قطعه، ونلاحظ آخر ما زال في البداية، ولا نعرف كم مرة اضطر إلى أن يبدأ من جديد.


وهنا نتعلم شيئًا مهمًا:

لا تقارن موضعك بموضع غيرك قبل أن تعرف قصته.


قد تنظر إلى إنسان وتقول:
«هو أفضل مني »

و بينما هو نفسه ينظر إليك ويقول: «ليته يملك ما أملك.»


كل واحد يرى جزءًا من الصورة.
وكل واحد يقيس حياته من مكانه.

 


وهناك معنى آخر أكثر عمقًا
ففي الكرة، جميع النقاط مرتبطة بالمركز بالمسافة نفسها، لكن كل نقطة لها موقع مختلف.


وهذا يجعلنا نفكر في الإنسان بطريقة مختلفة:


المساواة لا تعني التطابق


يمكن أن نكون متساوين في القيمة الإنسانية، مع اختلاف قدراتنا و متساوين في الكرامة، مع اختلاف أدوارنا، و متساوين في الحق، مع اختلاف ظروفنا، أيضا متساوين أمام المبدأ، مع اختلاف الطرق التي نصل بها إليه.

وهذا ربما أكثر نضجًا من فكرة أن الجميع يجب أن يكونوا متشابهين.


حتى داخل الأسرة نفسها…


الأب ليس كالابن.
والابن ليس كالأم.
والأخ الأكبر ليس كالأخ الأصغر.


وتأكد أن اختلاف الأدوار لا يعني اختلاف القيمة.
قد يكون لكل واحد مكان مختلف، لكنه جزء من منظومة واحدة.


وهنا يصبح السؤال:
هل نحتاج فعلًا أن نجعل الجميع متشابهين حتى نشعر أننا عادلون؟ أم أننا نحتاج إلى أن نتعلم كيف نحترم الاختلاف؟


المشكلة أننا نعيش في عصر المقارنات


نقارن أعمارنا بأعمار الآخرين
رواتبنا برواتبهم
بيوتنا ببيوتهم ، نجاحنا بنجاحهم

حتى سعادتنا أصبحت شيئًا نقيسه بما يظهر على شاشات الآخرين.


ثم نسأل:
لماذا أنا متأخر؟
و لكن…من قال إننا نقف على النقطة نفسها؟من قال إن الطريق نفسه ينتظرنا؟ من قال إن ما يصلح لغيرك يصلح لك؟


ربما أنت لا تتأخر.
ربما أنت فقط تسير في طريق مختلف.


وهنا يمكن أن نفهم شيئًا عن الحياة:
ليس كل اختلاف ظلمًا وليس كل تساوٍ عدلًا وليس كل تأخر فشلًا وليس كل تقدم نجاحًا حقيقيًا.


أحيانًا نحتاج أن نتوقف عن قياس أنفسنا بالآخرين، ونبدأ في فهم مكاننا نحن.


أين أقف؟
ماذا أملك؟
ماذا ينقصني؟
ما الذي أستطيع أن أفعله؟
وما الطريق الذي يناسبني؟


هذه الأسئلة قد تكون أكثر فائدة من سؤال واحد يرهقنا:


لماذا لست مثلهم؟


وربما أجمل ما في الأمر كله…
أن اختلافنا لا يعني أننا منفصلون.


فالكرة رغم تعدد نقاطها لها مركز واحد.


ويمكن للإنسان أن يختلف عن غيره في الشكل والقدرة والتجربة والمكان، دون أن يفقد انتماءه إلى الإنسانية المشتركة.


نحن مختلفون…
لكننا لسنا غرباء عن بعضنا.

لذلك، في المرة القادمة التي تجد نفسك تقارن حياتك بحياة شخص آخر…
توقف قليلًا.


ولا تسأل:
لماذا هو هناك وأنا هنا؟
اسأل بدلًا منها:
هل نحن أصلًا نقف في المكان نفسه؟


وربما تكتشف أن المشكلة لم تكن أنك أقل من غيرك…
بل أنك كنت تقيس نفسك بميزان لا يناسب قصتك.


فليس العدل أن نجعل الجميع نسخة واحدة.
العدل الحقيقي قد يكون أن نعترف باختلاف المواقع… مع بقاء القيمة الإنسانية واحدة.


وهنا يبقى سؤال الحلقة:
إذا كنا جميعًا مختلفين… فكيف نعرف ما هو العدل؟
يتبع…

 




 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *