مليكة بن دودة.. تتويج عربي يضع التراث الجزائري في الواجهة - النايل نيوز
الأربعاء, أغسطس 19, 2026
الرئيسيةمقالاتمليكة بن دودة.. تتويج عربي يضع التراث الجزائري في الواجهة
مقالات

مليكة بن دودة.. تتويج عربي يضع التراث الجزائري في الواجهة

مليكة بن دودة.. تتويج عربي يضع التراث الجزائري في الواجهة

محمد أمير الجزائر

 

لم يعد التراث مجرد صفحات محفوظة في الكتب أو قطعاً تستقر خلف زجاج المتاحف، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى ساحة تتقاطع فيها أسئلة الهوية والذاكرة والتنمية. بعد أن اختار الاتحاد العربي للإعلام التراثي وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية الدكتورة مليكة بن دودة لنيل لقب «شخصية العام التراثية» لعام 2026، ضمن الدورة الأولى من جوائز الإعلام التراثي العربي.

 

ويأتي هذا الاختيار تقديرا لما تصفه الجهة المنظمة بالجهود المبذولة في دعم حماية التراث الجزائري المادي وغير المادي، وتوثيقه والتعريف به، فضلا عن تعزيز حضوره في المشهد الثقافي، باعتباره أحد أبرز مكونات الذاكرة الوطنية.

 

حين يصبح التراث قضية هوية

 

يحمل التكريم دلالة تتجاوز الاحتفاء بشخصية وزيرة الثقافة والفنون، إذ يسلط الضوء على مكانة التراث في صياغة صورة الجزائر الثقافية داخل الفضاء العربي.

 

فالجزائر، بما تختزنه من تنوع تاريخي وجغرافي وثقافي، تمتلك رصيدا واسعا من عناصر التراث، بدءا من المواقع والمعالم التاريخية، وصولا إلى الحرف والصناعات التقليدية، والفنون والموسيقى والرقصات، والعادات والطقوس والمعارف الشعبية التي انتقلت عبر أجيال متعاقبة.

 

ومن هنا، فإن حماية هذا الموروث لا تعني فقط صيانة المباني أو تسجيل الممارسات التقليدية، وإنما تعني الحفاظ على منظومة من المعارف والرموز وأساليب العيش التي تشكل جزءا من الذاكرة الجماعية.

 

الجزائر في المشهد العربي للتراث

 

ويأتي التتويج أيضا ليعكس حضورا متناميا للجزائر في النقاش العربي حول حماية الموروث الثقافي.

 

فالتحديات التي تواجه التراث لم تعد محلية، إذ تتقاطع في العديد من الدول العربية مشكلات الاندثار، وضعف التوثيق، وتراجع بعض الحرف والممارسات التقليدية، فضلا عن اتساع الفجوة بين الأجيال الجديدة وموروثها الثقافي.

 

وفي مواجهة ذلك، تبرز الحاجة إلى مقاربة تجعل التراث متصلا بالإنسان والمجتمع، وتمنحه فرصة للاستمرار والتجدد بدلا من التعامل معه بوصفه مادة تنتمي حصرا إلى الماضي.

 

ووفق هذا التصور، ينظر إلى التراث باعتباره رافدا ثقافيا يمكن أن يتقاطع أيضا مع السياحة والصناعات الثقافية والإبداع والتنمية المحلية، بما يسمح بتحويل الموروث من ذاكرة محفوظة إلى قيمة ثقافية واقتصادية واجتماعية متجددة.

 

لماذا الإعلام؟

 

ولعل اختيار جوائز الإعلام التراثي العربي لتكريم شخصية العام يكتسب دلالة خاصة، لأن المعركة من أجل حماية التراث لا تجري داخل المؤسسات الثقافية وحدها.

 

فالكاميرا، والصحيفة، والوثائقي، والإذاعة، والمنصات الرقمية، والبودكاست، كلها أصبحت أدوات لإعادة اكتشاف الذاكرة وتقديمها إلى جمهور جديد.

 

ولهذا توسعت الدورة الأولى من الجوائز لتشمل الصحافة والإذاعة والتلفزيون والفيلم الوثائقي والبرامج الرقمية والبودكاست والتصوير والكتب، إلى جانب المهرجانات والمبادرات التراثية.

 

هذا التنوع يعكس تحولا في طريقة التعامل مع الموروث؛ إذ لم يعد يكفي أن يكون التراث محفوظا، بل أصبح مطلوبا أن يكون مرئيا ومسموعا وقابلا للتداول، وأن يجد لغة جديدة تصل إلى الشباب، خصوصا في عصر أصبحت فيه المنصات الرقمية إحدى أهم ساحات تشكيل الوعي الثقافي.

 

لجنة تحكيم ومعايير مهنية

 

وبحسب المعطيات الخاصة بالجائزة، تولت لجنة تحكيم عربية تقييم المشاركات والترشيحات وفق مجموعة من المعايير، في مقدمتها الدقة والقيمة التوثيقية والإبداعية وجودة المعالجة، ومدى مساهمة العمل في التعريف بالتراث والحفاظ عليه، فضلا عن قدرته على الوصول إلى الأجيال الجديدة.

 

وتكشف هذه المعايير أن الإعلام التراثي لم يعد يُقاس فقط بقدرته على عرض معلومة تاريخية، وإنما بقدرته على تحويل التراث إلى قصة إنسانية وثقافية قادرة على التأثير، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الدقة والموثوقية.

 

وهنا تحديدا تبرز إحدى أهم معضلات الإعلام الثقافي: كيف يمكن تبسيط التراث وجعله جذابا من دون اختزاله أو تشويهه؟ وكيف يمكن تقديم الموروث للأجيال الجديدة بلغة العصر من دون قطع الصلة بجذوره؟

 

من الحفظ إلى الاستمرارية

 

وتثمينا لهذا الاستحقاق، أكدت وزارة الثقافة والفنون أهمية التقدير العربي، باعتباره إضافة إلى الجهود الوطنية الرامية إلى حماية التراث الثقافي الجزائري وتوثيقه وتثمينه وتعزيز حضوره في الحياة الثقافية.

 

لكن القيمة الأعمق لأي جائزة تراثية لا تتوقف عند لحظة الإعلان عنها، بل تظهر في قدرتها على إعادة طرح السؤال الأساسي: ماذا نفعل بذاكرتنا الثقافية في عالم يتغير بسرعة؟

 

فالحفاظ على التراث لا يعني تجميده داخل الماضي، وإنما إبقاءه قادرا على العيش في الحاضر والوصول إلى المستقبل. والحرفة التقليدية التي تجد من يتعلمها، والأغنية التي يعاد اكتشافها، والحكاية الشعبية التي تجد من يوثقها، والممارسة الثقافية التي تنتقل من جيل إلى آخر، كلها أشكال من استمرار الذاكرة.

 

ومن هذه الزاوية، يأتي اختيار مليكة بن دودة «شخصية العام التراثية» عربيا لعام 2026 كتتويج لمسار مرتبط بالتراث الجزائري، لكنه في الوقت ذاته يفتح نقاشا أوسع حول مسؤولية المؤسسات والإعلام والمجتمع في حماية الذاكرة الثقافية العربية من النسيان.

 

فالتراث لا يعيش لأنه ينتمي إلى الماضي، وإنما لأنه يجد، في كل جيل، من يعيد اكتشافه ويحفظه ويمنحه فرصة جديدة للحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *