المستلزمات الطبية في الجزائر.. من فكّ عقدة الاستيراد إلى رهان التصنيع المحلي
محمد أمير-الجزائر
يبدو أن ملف المستلزمات الطبية في الجزائر يتجه نحو مرحلة جديدة، لا تقتصر على ضمان توفر المنتجات في السوق، بل تمتد إلى إعادة النظر في النموذج الذي يحكم تموين القطاع، عبر تقليص تدريجي للاعتماد على الخارج وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي.
وفي هذا السياق، استقبل وزير الصناعة الصيدلانية وسيم قويدري، الأحد، ممثلين عن الكونفدرالية الجزائرية لأرباب العمل “CAP”، في لقاء خُصص لمتابعة انشغالات المتعاملين الاقتصاديين والوقوف على مدى تنفيذ التوصيات المنبثقة عن اجتماع سابق بين الطرفين.
ويكشف مضمون اللقاء أن السلطات لا تتعامل مع أزمة أو صعوبات توفير المستلزمات الطبية باعتبارها مسألة مرتبطة بالاستيراد فقط، وإنما تحاول معالجة الحلقة الأوسع التي تشمل التسويق، التموين، الإجراءات الإدارية والاستثمار في الإنتاج المحلي.
الاستيراد.. حل سريع لكنه ليس كافيا
ركز الاجتماع على الانشغالات المهنية المرتبطة بتسويق وتوفير المستلزمات الطبية، وهو ملف يكتسب حساسية خاصة بالنظر إلى ارتباطه المباشر باستمرارية عمل المؤسسات الصحية وتلبية حاجات السوق الوطنية.
ومن بين النقاط التي حضرت في النقاش، إجراءات الحصول على رخص البرامج التقديرية للاستيراد، حيث تحدثت الوزارة عن تدابير لتبسيط وتسريع الإجراءات، إلى جانب تعزيز آليات مرافقة المتعاملين والتكفل بانشغالاتهم في آجال أقصر.
وتحمل هذه الإجراءات بعدا عمليا واضحا: ضمان وصول المنتجات التي لا يزال السوق المحلي بحاجة إليها، وتفادي الاختلالات التي يمكن أن تنتج عن تعقيد الإجراءات أو تأخرها.
لكن المعادلة، وفق التوجه الذي عبّر عنه الوزير، لا تتوقف عند تسهيل الاستيراد. فالإبقاء على السوق رهينة الخارج يعني استمرار التأثر بالأسعار العالمية، وتكاليف النقل، وسلاسل الإمداد الدولية، فضلا عن التحولات التي قد تطرأ على الأسواق المصدرة.
ومن هنا يأتي الرهان على الإنتاج المحلي بوصفه مسارا استراتيجيا لا بديلا فوريا بالضرورة.
من تأمين السوق إلى بناء القدرة الإنتاجية
تبدو الرسالة الأساسية التي حملها اللقاء واضحة: تسهيل الاستيراد في المرحلة الحالية لا يعني التخلي عن هدف توطين الصناعة.
فالوزارة تتحدث عن انتقال تدريجي من الاعتماد على استيراد المستلزمات الطبية إلى إنتاجها محليا، عبر تشجيع الاستثمار وتثمين الخبرات والإمكانات الوطنية.
وهذا الانتقال، إذا تحقق، يمكن أن يعيد تعريف مفهوم الأمن الصحي في الجزائر. فالأمن الصحي لا يرتبط فقط بامتلاك الأدوية أو المستلزمات عند الحاجة، بل يرتبط أيضا بامتلاك جزء معتبر من القدرة على إنتاجها، أو على الأقل التحكم في سلاسل القيمة الأساسية المرتبطة بها.
وتزداد أهمية هذا الخيار في ظل ما كشفته السنوات الأخيرة من هشاشة سلاسل التوريد العالمية أمام الأزمات الصحية والجيوسياسية والاضطرابات التجارية.
أين تكمن الصعوبة؟
غير أن الانتقال من الاستيراد إلى التصنيع المحلي ليس قرارا إداريا فقط. فإنتاج المستلزمات الطبية يحتاج إلى استثمارات، وتكنولوجيا، ومطابقة دقيقة للمعايير، وكفاءات متخصصة، إضافة إلى سوق قادرة على استيعاب الإنتاج وضمان استمرارية المؤسسات الصناعية.
لذلك فإن نجاح التوطين سيقاس بمدى قدرة الجزائر على الانتقال من مجرد تركيب أو إنتاج محدود لبعض المنتجات إلى بناء منظومة صناعية متكاملة، تشمل البحث والتطوير، والتصنيع، وضمان الجودة، والتوزيع.
كما أن المستثمر يحتاج إلى وضوح في القواعد التنظيمية واستقرار في الإجراءات، حتى يتمكن من التخطيط على المدى المتوسط والطويل.
ومن هذه الزاوية، فإن الحوار بين وزارة الصناعة الصيدلانية وممثلي أرباب العمل يكتسب أهمية تتجاوز معالجة الانشغالات اليومية،
لأنه يمكن أن يشكل قناة لاختبار السياسات الحكومية على أرض الواقع، والاستماع إلى الصعوبات التي تواجه المتعاملين قبل تحويل التوجهات الصناعية إلى مشاريع فعلية.
السيادة الصحية.. من الشعار إلى الصناعة
يحضر مفهوم “السيادة الصحية” بقوة في الخطاب الرسمي الجزائري خلال السنوات الأخيرة، غير أن ترجمته إلى واقع صناعي تتطلب أكثر من زيادة عدد المؤسسات المنتجة.
فالرهان الحقيقي يتمثل في بناء قدرة وطنية تستطيع الصمود أمام تقلبات السوق الدولية، وتأمين المنتجات الأساسية، وتطوير المعرفة التقنية، وخلق قيمة مضافة محلية.
وبذلك، يمكن قراءة اللقاء الأخير بين الوزارة و”CAP” باعتباره جزءا من معادلة مزدوجة: حل مشكلات التموين والاستيراد في المدى القصير، وتهيئة شروط الاستقلال الصناعي في المدى الطويل.
وبين المسارين، تبقى التحديات قائمة. فالسوق تحتاج إلى المستلزمات الآن، بينما يحتاج التصنيع المحلي إلى الوقت والاستثمار والخبرة.
ولذلك فإن نجاح السياسة الجديدة سيكون مرهونا بقدرة الجزائر على إدارة المرحلة الانتقالية دون أن يتحول تقليص الاستيراد إلى نقص في السوق، ودون أن يبقى التصنيع المحلي مجرد هدف معلن.
وفي النهاية، فإن الاختبار الأكبر لن يكون في عدد التسهيلات الإدارية التي تم اتخاذها، ولا في حجم الاستثمارات المعلنة فقط،
بل في قدرة الصناعة الجزائرية على إنتاج مستلزمات طبية ذات جودة وتنافسية، قادرة على تلبية احتياجات السوق الوطنية، ثم الانتقال مستقبلا إلى منافسة الأسواق الخارجية.
فالمسألة لم تعد فقط: كيف نضمن دخول المستلزمات الطبية إلى الجزائر؟ بل أصبحت: متى تستطيع الجزائر أن تنتج ما تحتاج إليه، وأن تتحكم في جزء أكبر من أمنها الصحي؟


