الزيوت المهدرجة وتصلب الشرايين.. خطر صامت قد يبدأ مبكرًا وينتهي بأزمة قلبية مفاجئة

بقلم: د. أحمد الجندي – باحث علمي
في الوقت الذي يزداد فيه اهتمام الشباب بالرياضة والمظهر والصحة، ما زالت بعض العادات الغذائية اليومية تمرّ دون انتباه،
ومن بينها الإفراط في تناول الأغذية التي قد تحتوي على الدهون المتحولة الصناعية (Trans Fats) الناتجة عن عملية الهدرجة الجزئية للزيوت النباتية.
وهنا يجب أن نوضح منذ البداية:
ليس صحيحًا علميًا أن الزيوت المهدرجة تؤدي حتميًا إلى الموت المفاجئ، ولا أن كل شخص يتناولها معرض للموت المفاجئ.
لكن الأدلة العلمية القوية تربط الدهون المتحولة الصناعية بزيادة خطر أمراض القلب وتصلب الشرايين، وهي أمراض قد تتطور لسنوات دون أعراض واضحة.
ما هي الزيوت المهدرجة؟
الهدرجة هي عملية كيميائية يتم فيها إضافة الهيدروجين إلى الروابط غير المشبعة في الزيت، بهدف تغيير خصائصه، مثل زيادة الثبات وتحويل الزيت السائل إلى دهون أكثر صلابة.
لكن الهدرجة الجزئية قد تؤدي إلى تكوين أحماض دهنية ذات تركيب Trans، وهي الدهون المتحولة الصناعية التي أصبحت محل اهتمام كبير من الهيئات الصحية العالمية بسبب تأثيرها السلبي على القلب والأوعية الدموية.
أما الزيت المهدرج بالكامل فليس بالضرورة مساويًا كيميائيًا للزيت المهدرج جزئيًا من ناحية تكوين الدهون المتحولة؛
لذلك لا يصح إطلاق الحكم نفسه على كل منتج يحمل كلمة «مهدرج» دون معرفة طريقة التصنيع وتركيب المنتج.
ماذا يحدث داخل الشرايين؟
تصلب الشرايين لا يحدث بين يوم وليلة.
تبدأ العملية بتغيرات في جدار الشريان، ثم تراكم جزيئات LDL داخل جدار الوعاء الدموي، ومع مرور الوقت يمكن أن تتكون لويحة تصلبية.
ومع زيادة حجم اللويحة قد تضيق القناة الداخلية للشريان، لكن المشكلة الأخطر ليست دائمًا في التضيق التدريجي فقط؛
إذ يمكن أن تتمزق اللويحة، فتتكون جلطة دموية فوقها، وقد تؤدي هذه الجلطة إلى انسداد مفاجئ للشريان التاجي وحدوث احتشاء عضلة القلب.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل بعض الأزمات القلبية تبدو وكأنها حدثت «فجأة»، رغم أن المرض الوعائي قد يكون بدأ قبل ذلك بسنوات.
كيف تؤثر الدهون المتحولة؟
الدهون المتحولة الصناعية لها تأثير غير مرغوب على دهون الدم، وترتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ارتفاع استهلاك الدهون المتحولة يرتبط بزيادة خطر الوفاة من جميع الأسباب، والوفاة بسبب مرض القلب التاجي، وكذلك الإصابة بمرض القلب التاجي.
كما تؤكد المنظمة أن الدهون المتحولة الصناعية ليس لها فائدة صحية معروفة.
ولهذا توصي منظمة الصحة العالمية بألا تتجاوز الدهون المتحولة 1% من إجمالي الطاقة اليومية، أي أقل من حوالي 2.2 جرام يوميًا في نظام غذائي يحتوي على 2000 سعر حراري.
⚠️ وماذا عن الموت المفاجئ للشباب؟
هنا تحديدًا يجب أن نكون دقيقين علميًا.
لا توجد قاعدة علمية تقول إن تناول الدهون المتحولة وحده يسبب الموت المفاجئ للشباب.
الموت القلبي المفاجئ له أسباب متعددة، منها اضطرابات كهربائية خطيرة بالقلب، وأمراض عضلة القلب، وبعض أمراض الشرايين التاجية، وعوامل وراثية وغيرها.
لكن الدهون المتحولة يمكن أن تكون عاملًا غذائيًا ضارًا على المدى الطويل لأنها تساهم في زيادة خطر أمراض القلب التاجية وتصلب الشرايين.
ومن المثير للاهتمام أن دراسة مستقبلية كبيرة شملت 86,762 امرأة وتابعت المشاركات لمدة 26 عامًا لم تجد ارتباطًا ذا دلالة إحصائية بين إجمالي تناول الدهون المتحولة والموت القلبي المفاجئ في المجموعة ككل.
لكنها وجدت ارتباطًا بين ارتفاع تناول الدهون المتحولة والموت القلبي المفاجئ لدى النساء اللواتي كان لديهن مرض شرايين تاجية سابق، مع بقاء بعض القيود الإحصائية والتفسيرية للدراسة.
وهذا مثال مهم على الفرق بين عامل يزيد خطر أمراض القلب وبين القول إنه سبب مباشر وحتمي للموت المفاجئ.
🍪 أين يمكن أن نجد الدهون المتحولة؟
تاريخيًا كانت الدهون المتحولة الصناعية موجودة في العديد من المنتجات التي تستخدم الزيوت المهدرجة جزئيًا، ومنها بعض:
المارجرين والسمن النباتي.
المخبوزات الصناعية.
البسكويت والكوكيز.
الفطائر والمعجنات.
بعض المنتجات المقلية.
بعض الأغذية المصنعة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الدهون المتحولة الصناعية يمكن أن توجد في السمن النباتي، والـ shortening، وبعض الأغذية المقلية والمخبوزات.
لكن وجود كلمة «زيت نباتي» على العبوة لا يعني تلقائيًا أن الزيت مهدرج أو يحتوي على دهون متحولة؛ لذلك يجب قراءة قائمة المكونات بدل الاعتماد على الاسم التجاري فقط.
🔬 لماذا تحارِب الهيئات الصحية الدهون المتحولة؟
الأمر لم يعد مجرد توصية غذائية بسيطة.
فقد أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA عام 2015 أن الزيوت المهدرجة جزئيًا لم تعد تُعتبر آمنة عمومًا للاستخدام الغذائي GRAS، باعتبارها المصدر الرئيسي للدهون المتحولة الصناعية في الأغذية المصنعة.
وفي عام 2023 أكملت FDA الإجراءات التنظيمية المتعلقة بإلغاء استخدام الزيوت المهدرجة جزئيًا في الأغذية في الولايات المتحدة.
كما أطلقت منظمة الصحة العالمية مبادرات عالمية للقضاء على الدهون المتحولة الصناعية من الإمدادات الغذائية، وتوصي باستبدالها بدهون وزيوت أكثر صحة.
🧠 لماذا قد يكون الخطر أكثر أهمية عند الشباب؟
قد يعتقد الشاب أن تصلب الشرايين «مرض كبار السن»، وهذا اعتقاد غير دقيق.
تصلب الشرايين عملية يمكن أن تبدأ مبكرًا وتتأثر بمجموعة من العوامل، منها:
التدخين – ارتفاع LDL – ارتفاع ضغط الدم – السكري – السمنة – قلة النشاط البدني – النظام الغذائي غير الصحي – التاريخ العائلي – وبعض العوامل الوراثية.
لذلك فإن وجود شخص في العشرينات أو الثلاثينات لا يعني تلقائيًا أن شرايينه خالية من عوامل الخطورة.
والأهم أن الدهون المتحولة ليست العامل الوحيد؛ فلا يجوز تحميلها مسؤولية كل أزمة قلبية أو كل حالة وفاة مفاجئة لشاب.
🥗 ماذا نفعل عمليًا؟
الوقاية لا تعني الامتناع عن تناول الدهون تمامًا؛ فالدهون عنصر غذائي مهم للجسم.
لكن الأفضل هو:
تقليل الدهون المتحولة الصناعية إلى أدنى مستوى ممكن، واستبدالها بالدهون غير المشبعة الموجودة في الأغذية والزيوت الصحية.
كما يُنصح بالإكثار من الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات، واختيار مصادر بروتين صحية، مع ممارسة النشاط البدني والابتعاد عن التدخين.
وتؤكد إرشادات منظمة الصحة العالمية أهمية استبدال الدهون المشبعة والمتحولة بمصادر دهون أكثر صحة ضمن نمط غذائي متوازن.
🚨 رسالة مهمة للشباب
إذا كان هناك ألم أو ضغط مفاجئ في الصدر، ضيق شديد في التنفس، إغماء، خفقان شديد أو غير معتاد، أو ألم يمتد إلى الذراع أو الفك، فلا ينبغي تفسير الأمر على أنه مجرد إرهاق أو نقص في اللياقة.
الأعراض القلبية الحادة تحتاج إلى تقييم طبي عاجل.
الخلاصة
الزيوت المهدرجة جزئيًا والدهون المتحولة الصناعية ليست مجرد قضية تتعلق بزيادة الوزن.
إنها قضية مرتبطة بصحة القلب والأوعية الدموية.
تصلب الشرايين عملية معقدة ومتعددة العوامل، والدهون المتحولة أحد العوامل الغذائية التي ثبت ارتباطها بزيادة مخاطر أمراض القلب التاجية.
أما الموت المفاجئ للشباب فلا يمكن علميًا اختزاله في سبب واحد، لكنه قد يكون أحيانًا النتيجة النهائية لمشكلة قلبية أو وعائية لم تكن معروفة من قبل.
ولهذا فإن الوقاية تبدأ من سنوات الشباب، وليس بعد ظهور المرض.
فالقلب لا ينتظر حتى نشعر بالمرض حتى تبدأ حمايته.



