حين تبلغ القناعة ذروتها.. يصبح الرضا قوة
بقلم: نجوان صفي الدين
هناك لحظة تأمل في حياة الإنسان يكف فيها عن السؤال: لماذا لم أحصل على كل ما أريد؟ وتنهال عليه أسئلة أخرى: لماذا كنت أظن أن ما أريده هو بالضرورة كل ما أحتاج إليه؟
في تلك اللحظة تحديدًا، يتغير شيء عميق في داخله.
تتبدل نظرته إلى الحياة، وإلى الناس، وإلى الخيبات والخسارات، وحتى إلى الأمنيات التي طالما ظن أن سعادته معلقة بتحقيقها.
فالقناعة ليست أن تنظر إلى ما بين يديك وتقول: «هذا يكفيني» وحسب، بل أن تصل إلى يقين داخلي يجعلك تؤمن بأن ما مضى لم يكن عبثًا،
وأن ما تأخر لم يكن بالضرورة حرمانًا، وأن بعض ما ظننته خسارة كان في حقيقة الأمر نجاة، لم تدركها إلا بعد وقت طويل من المعاناة لاكتشاف الحكمة الإلهية التي هي عين الرحمة والعدل.
القناعة لا تعني التخلي عن الطموح
حين تبلغ القناعة ذروتها، لا يصبح الإنسان أقل طموحًا، بل يصبح أكثر نضجًا وهدوءًا وهو يطارد طموحه.
يكمل في السعي، لكنه لا يلهث.
يستمر في أن يحلم، لكنه لا ينكسر إذا تأخر الحلم.
يعمل من أجل غدٍ أفضل، حتى وإن طال هذا الغد، لكنه لا ييأس، ولا يسرق من يومه فرحته انتظارًا لذلك الغد.
وهنا يكمن الفرق بين الطموح والجوع الذي لا يشبع.
فالطموح يدفعك إلى الأمام، أما المقارنة فتجعلك تركض في دوائر لا نهاية لها.
كم من إنسان أفسد على نفسه نعمة حاضرة لأنه ظل ينظر إلى ما في أيدي الآخرين؟
وكم من قلب لم يعرف طعم الراحة لأنه كان مشغولًا بالكثير، متناسيًا أن هناك أشياء كثيرة حوله أصبحت من فرط وجودها تبدو عادية، رغم أنها كانت يومًا أمنيات عظيمة!
«يا رب ما أعظمك»
نحن نعتاد النعم وننسى أنها نعم
نحن كثيرًا ما نعتاد النعم حتى ننسى أنها نعم، للأسف.
نعتاد وجود أشخاص نحبهم، وننسى أن وجودهم في حياتنا ليس أمرًا مضمونًا.
نعتاد الصحة، والبيت، والأمان، ودفء العائلة، وفرصة العمل، ولقمة العيش، ثم نرفع أعيننا إلى ما ينقصنا ونقول: «لماذا أنا؟»
ونسينا تمامًا قول الله تعالى:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾
ربما كان الأجدر بنا أن نتوقف لحظة ونقول:
«كم أنا محظوظ بكل ما لم أفقده بعد.»
القناعة لا تعني التخلي عن الأحلام
القناعة لا تعني أن تتخلى عن أحلامك.
على العكس تمامًا؛ القناعة تمنحك القدرة على الحلم دون أن تجعل الحلم يتحول إلى سجن.
أن تواصل وتستمر في السعي إلى الأفضل، لكن دون أن تحتقر ما لديك.
أن تطمح إلى مكان أعلى، لكن دون أن تشعر بالخجل من المكان الذي بدأت منه أو أنت فيه الآن.
تلك هي القناعة
أن تنظر إلى نجاح الآخرين فتقول: «ما أجمل أن يصلوا»، بدلًا من أن تقول في داخلك: «ومتى يأتي دوري؟»
يا له من تدنٍّ آدمي!
تأكد أن ليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل وصول انتصارًا، وليس كل رحيل خسارة.
أحيانًا يمنعك الله من شيء لأنك لا ترى نهايته الموحشة.
وأحيانًا يؤخر عنك أمرًا لأنك لم تنضج بعد لاستقباله.
وأحيانًا يغلق أمامك بابًا كنت تظن أن سعادتك خلفه، ثم تكتشف بعد سنوات أن أعظم نعمك بدأت يوم أُغلق ذلك الباب.
حين تبلغ القناعة ذروتها.. تتعلم فن الرحيل
وحين تبلغ القناعة ذروتها، تتعلم أيضًا فن الرحيل بهدوء تام.
ترحل عن الأماكن التي لم تعد تشبه روحك.
وعن العلاقات التي تستنزفك.
وعن محاولات إرضاء الجميع.
وعن الحاجة الدائمة إلى إثبات نفسك لمن لا يريد أن يراك كما أنت.
جميعها أشياء زائلة.
تتعلم أن بعض المعارك لا تستحق أن تخوضها، وأن بعض الكلمات لا تستحق الرد، وأن الصمت أحيانًا ليس ضعفًا، وإنما انتصار هادئ على رغبة الإنسان في أن يثبت أنه على حق.
راحة البال تبدأ من الداخل
تكتشف حينها أن راحة البال ليست في أن تمتلك كل ما تريد، بل في ألا تشعر أنك لن تكون سعيدًا إلا إذا امتلكته.
وهنا تبلغ القناعة ذروتها.
ويصبح قلبك قادرًا على استقبال النعمة بالشكر، واستقبال المنع بالرضا والصبر، واستقبال التأخير بالمثابرة، واستقبال الرحيل باليقين.
عندها لا تعود القناعة استسلامًا، بل تصبح قوة تجعلك تمضي دون أن تحمل في قلبك مرارة الأمس وشقاء المستقبل الذي هو بيد الخالق.
وتنظر إلى الغد دون خوف أو ترقب.
وتعيش الحاضر دون أن تفسده بالمقارنات.
وفي نهاية الطريق، ربما لا يكون أعظم انتصار للإنسان أن يحصل على كل ما أراد، بل أن يصل إلى مرحلة يستطيع فيها أن يقول، بصدق لا يحتاج إلى إثبات:
«اللهم إن كان ما أتمناه خيرًا لي، فقربه مني، وإن كان غير ذلك، فاصرفه عني وارضني بما كتبت لي.»
«اللهم لك الحمد حتى يبلغ الحمد منتهاه.»
فحين تبلغ القناعة ذروتها، لا تتغير الحياة من حولك بالضرورة، لكن يتغير الإنسان الذي يعيشها.
وحين يتغير الإنسان، تصبح الأشياء التي كانت تثقل قلبه بالأمس مجرد تفاصيل صغيرة يعبرها اليوم بابتسامة، حتى وإن لم تكن صادقة من القلب.
وهنا تبدأ الحياة الحقيقية…
حين لا يعود السلام الذي تبحث عنه في الخارج، بل تجده أخيرًا في أعماقك.



