محاكمةُ الظِّل
فلسفةُ الذات

بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
المدخل: حين يخاصم الإنسانُ نفسَه
ليس كلُّ إنسانٍ يخشى الظلام؛ فبعضُنا يخشى أن يكتشف أن الظلام هو صورته الأخرى. فالظلُّ ليس بقعةً سوداء تتبع الجسد، بل هو الشاهد الصامت على الرحلة، والرفيق الذي يعرف ما لا يجرؤ الإنسان على الاعتراف به. فإذا هرب الظل، لم يفقد المرءُ رفيقَه فحسب، بل فقد الطريق إلى ذاته. وهذه ليست محاكمةَ ظلٍّ هارب، بل محاكمةُ إنسانٍ وقف أمام مرآة روحه، فلم يعرف أيَّ الوجهين هو المتهم، وأيهما الضحية.
O trees, O birds, bear witness to my fall,
I walked alone while shadows abandoned all.
الجميعُ له ظلٌّ…
يتكئ عليه كعكازِ نور،
أو يمشي أمامه كدليلِ ماءٍ
فيهتدي به.
وأنا؟
أتبعُ سرابًا يمضغُ خطايَ بأسنانِ الصمت؛
تارةً أراه جبلًا، فيتعرّق ظهري خوفًا منه،
وتارةً أراه دودةً تتعثّر بها روحي،
فأسقط…
وهو يضحكُ من فمي المكسور.
أرأيتموه؟
ظلٌّ… كسيرُ الجناحين.
وكم منكم سئم ظلَّه،
حتى رآه لا يستحقُّ اهتمامًا،
ولا ارتواءً،
ولا احتواءً؟
لكنه لم يتركني تحت الشمس،
بل عاقبني بانسحابه.
ولو كانت هناك شمسٌ حقًّا،
لبقي الظلُّ أنيسًا.
غير أنه أطفأني،
فصار نارًا سوداءَ تلعق ظهري في العتمة،
ونهرًا داكنًا يسحبني إلى حيث لا شاطئ.
O trees and birds, you saw the traitor flee,
Yet kept your silence, and left him to me.
وكان قدري
أن أعيش في ظلامٍ…
لا خِلَّ، ولا ظلَّ.
أمشي ويدي تمسك يدي،
وأجمعُ أنصافي المبعثرة.
وكان قدري
أن أعيش في ضبابٍ،
فيختطفني الصقيع،
ويجمّد نبضي،
فأنسى نصفي الآخر،
وجليسي الذي كان يسكن قفاي،
ويعدُّ أنفاسي.
في الظلام
متُّ مرةً واحدة…
لا لأنني بلا ظل،
بل لأنني بلا مَن يراني.
وكرهتُ السواد،
فنحتُّ ظلًا أبيضَ من غيم.
فماذا لو وجدته؟
سأسكنه…
ولن أسكن ظلامي.
لكنني أدركتُ
أن الغيم لا يصنع وطنًا،
وأن البياض إذا خلا من الدفء
ليس إلا ثلجًا يؤجل الذوبان.
فلسفتي: غموض.
هويتي: فقد.
وإن سكنتُ ظلي الأبيض،
صرتُ تمثالًا من ثلج،
ذابلًا كشجرةٍ نسيتْ عصافيرُها طريقَ العودة.
الخاتمة: من يُحاكم مَن؟
أيها القاضي…
إن كان الظلُّ شاهدًا،
والجسدُ متهمًا،
والروحُ قتيلةً…
فمن ذا الذي يرفع الميزان؟
O forest jury, O wings that know,
Who killed the light? The shadow did go.
أنا الذي أطعمتُ ظلي من عمري،
فجاع حين جُعت،
وهرب حين عطشت.
وأنا الذي نحتُّ من الغيم وطنًا،
فاكتشفتُ أنه قبرٌ من ثلج.
فإن كان العدلُ أن يُدان الخائن،
فليُدنْ ظلّي،
ولتُدنْ شمسٌ باعته للهروب،
ولتُدنْ مرايا نسيت أن تعكسني.
وإن كانت الرحمةُ أن يُغفر للتائه،
فاغفروا لي…
لأنني بحثتُ عن وطنٍ
في ظهرِ ظلّي،
فلم أجد إلا صدى خطاي.
ها أنا…
بلا ظلٍّ يؤويني،
وبلا ضوءٍ يهديني،
وبلا اسمٍ على زجاج الذاكرة.
فاكتبوا في سجلِّ المحكمة:
قضية رقم صفر.
المتهم: ظلٌّ هارب.
والضحية: رجلٌ كان يبحثُ عن نفسه في سوادِ غيره.
ثم أُغلقتِ الجلسة…
وبقي سؤالٌ واحدٌ حرًّا:
هل كان الظلُّ هو الهارب… أم كنتُ أنا الذي سبقتُه إلى الغياب؟


