العلامة: حسين بن أحمد آل طالب الشريف
بسم الله الرحمن الرحيم
(لا فتى الا علي امتداد الفتوة الايمانية واكتمالها في رجل واحد)
في كل مرة يذكر القرآن لفظ «الفتى»، لا يذكره عرضًا ولا يعلّقه على العمر، بل يختار له مقامًا إيمانيًا مخصوصًا، كأن السماء تصنع هذا اللفظ بيدها، وتضعه في موضع لا يليق إلا بمن بلغ ذروة الشجاعة أو الطهر أو العلم.
ومع امتداد هذا اللفظ عبر قصص الأنبياء، يتشكّل خطٌّ إيماني واحد، يبدأ مع إبراهيم، ويمرّ بفتية الكهف، ويستقرّ عند فتى موسى، كأن الوحي يهيّئ شيئًا أكبر ينتظر اكتماله.
ثم يأتي يوم بدر، وتسمع السماء صوتها: لا فتى إلا علي. في تلك اللحظة يتّضح أن الفتوة الإيمانية لم تكن أوصافًا متفرقة، بل كانت سلسلة سماوية اكتملت في رجل واحد، فصار عليٌّ امتداد الفتوة الإيمانية وتمامها الأخير.
منذ أن قال قوم إبراهيم: سمعنا فتى يذكرهم، كان الوحي يرسم الملامح الأولى للفتوة الإيمانية؛ تلك القوة التي لا تُقاس بالعمر، بل تُقاس بقدرة الروح على الوقوف وحدها في وجه عالمٍ يعبد الصنم.
لم يكن إبراهيم فتى لأنه شاب، بل لأنه حمل في قلبه جرأةً لا يطيقها إلا من صُنع على عين الله، فصار لفظ الفتى في القرآن إشارةً سماوية إلى مقامٍ لا يناله إلا من بلغ صفاءً يجعل الحق أثقل من الحياة.
ثم تتجلّى الإشارة مرة أخرى في الكهف، حين قال الله: إنهم فتية آمنوا بربهم فزادهم هدى. هنا ترتفع الفتوة من مقام الشجاعة إلى مقام الطهر؛ شبابٌ تركوا سلطانًا جائرًا، وناموا على صخرةٍ باردة ليحفظوا نور الإيمان في زمنٍ يطارد النور.
فتوتهم ليست قوة الجسد، بل قوة القلب حين يختار الله على الدنيا كلها، فيصبح النوم في كهفٍ أرحب من العيش في قصرٍ بلا إيمان.
ثم يأتي موسى، ويأتي معه فتى آخر، لا يحمل سيفًا ولا يواجه سلطانًا، بل يحمل علمًا، ويلازم نبيًا، ويصبر على الطريق الطويل نحو الحقيقة. وإذ قال موسى لفتاه… هنا تتجلّى فتوة الطاعة، فتوة التتلمذ، فتوة القلب الذي يسلّم نفسه للعلم كما يسلّم الماء نفسه للنهر.
يوشع ليس فتىً لأنه صغير، بل لأنه نقيّ بما يكفي ليكون بابًا لعلم النبوّة، وامتدادًا لرسالةٍ لا تُحمَل إلا على كتفٍ طاهر.
ثلاث فتوات…ثلاث إشارات سماوية…ثلاث مقامات روحية تتوزع بين الشجاعة والطهر والعلم.
والقرآن لا يذكر لفظ الفتى إلا حين يريد أن يختار إنسانًا من بين الناس، ويضعه في مقامٍ لا يبلغه إلا من صُنع على عين الله.
ثم يمضي التاريخ…وتأتي بدر…وتنزل الملائكة…ويُرى علي بن أبي طالب وهو يقتحم الموت كأنه يقتحم بابًا من نور، لا يهاب سيفًا ولا يلتفت إلى صراخ المعركة. وفي تلك اللحظة، لحظةٍ لا تتكرر، سُمِع الصوت من السماء: لا فتى إلا علي.
لم تكن كلمة بشر، ولا مدحًا في لحظة حماس، بل كانت إعلانًا سماويًا بأن الفتوة التي بدأت مع إبراهيم، وامتدت مع فتية الكهف، وتجلّت مع فتى موسى، قد اكتملت الآن في رجل واحد.
فشجاعة إبراهيم حاضرة في علي يوم بدر واحد والأحزاب وخيبر وحنين. وطهر فتية الكهف حاضر في قلبه الذي لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق. كما قال صلى الله عليه واله وسلم (علي مع الحق والحق مع علي) «رحِمَ اللهُ عَليًّا، اللَّهمَّ أدِرِ الحقَّ معَه حيثُ دارَ»
وعلم فتى موسى حاضر في قوله صلى الله عليه واله وسلم: (أنا مدينة العلم وعلي بابها). وفي قوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)
كأن الفتوة الإيمانية كانت تتدرّج عبر التاريخ، تتشكّل في ثلاثة نماذج قرآنية، ثم تنتظر اكتمالها في علي، ليُقال من السماء: هذا هو الفتى الذي جمع شجاعة إبراهيم، وطهر الكهف، وعلم موسى، فصار وحده الفتى الكامل، وصارت الفتوة كلها تتلخّص في اسمه.
وهكذا، حين نعيد النظر في مسار الفتوة الإيمانية كما رسمه القرآن، ندرك أن الوحي لم يكن يصف شبابًا، بل كان يختار أرواحًا.
كان ينتقي من التاريخ ثلاثة نماذج، كل واحد منها يحمل وجهًا من وجوه القوة الروحية: إبراهيم الذي واجه الباطل وحده، وفتية الكهف الذين حفظوا الطهر في زمنٍ يطارد الطهر، ويوشع الذي حمل العلم كما يحمل القلب سرّه الأعمق. هذه النماذج لم تكن متفرقة، بل كانت خيطًا واحدًا يمتد عبر الزمن، كأن السماء كانت تصنع معنى الفتوة قطعةً بعد قطعة، وتنتظر اكتماله في رجل واحد.
وحين جاء يوم بدر، لم يكن الصوت الذي نزل من السماء مجرد ثناء، بل كان إعلانًا بأن هذا الخيط قد بلغ نهايته: (لا فتى إلا علي). لم يكن علي امتدادًا للفتوة الإيمانية فحسب، بل كان اكتمالها كان الشجاعة التي بدأت مع إبراهيم، والطهر الذي تجلّى في الكهف، والعلم الذي حمله فتى موسى، كلها مجتمعة في قلب واحد وسيف واحد وروح واحدة.
لذلك لم يحتج علي إلى لقب، ولم يحتج إلى وصف، لأن السماء نفسها تكفّلت بأن تنطق باسمه، وتعلن أنه الفتى الذي اكتملت فيه مراتب القوة الإيمانية كلها.
وبهذا يصبح علي بن أبي طالب ليس مجرد بطلٍ في معركة، ولا مجرد حامل علم، ولا مجرد طاهر القلب، بل يصبح الصورة النهائية للفتوة التي أرادها الوحي؛
الفتوة التي لا تُقاس بالعمر، ولا تُقاس بالقوة البدنية، بل تُقاس بقدرة الإنسان على أن يكون مرآةً للحق في كل لحظة من حياته. ومن هنا، يصبح قول السماء يوم بدر ليس حدثًا تاريخيًا، بل مفتاحًا لفهم مسارٍ كاملٍ من التدبّر، مسارٍ يبدأ مع الأنبياء وينتهي في رجل واحد، رجلٍ جمع ما تفرّق في غيره، فصار وحده الفتى الذي لا يشبهه أحد.


