بقلم: د. زبير سلطان رباني – باحث في قضايا الإنسان والهوية والتحولات الحضارية
تُخلِّف الكوارث الكبرى وراءها مشاهد الدمار والخسارة والنزوح والاقتلاع، غير أن أعمق آثارها يتشكل بعيدًا عن عدسات الكاميرات وعناوين الأخبار العاجلة. فمع انحسار الصدمة الأولى تنفتح ساحات صراع جديدة، تعمل بهدوء، وتتحرك داخل البيئات المثقلة بالحاجة والانتظار والاضطراب، لتعيد تشكيل الإنسان والمجتمع والوعي والمستقبل.
وفي هذه المرحلة تتحول الأزمة إلى بيئة جاذبة لقوى تبحث عن النفوذ والربح والتأثير. فمع اتساع دوائر الفقر وتراجع الفرص وتزايد الضغوط المعيشية، تنشط شبكات قادرة على استثمار مواطن الضعف الإنساني وتحويل المعاناة إلى مورد دائم للمكاسب.
وهنا تتوسع مسارات الاتجار بالبشر، وتزدهر شبكات التهريب، وتتعدد صور الابتزاز والاستغلال، حتى تصبح الحاجة نفسها جزءًا من اقتصاد خفي يتغذى على القلق ويقتات من الأزمات.
وتترك هذه الظواهر آثارًا تتجاوز الخسائر الفردية إلى المجال الاجتماعي الأوسع. فكل عملية استغلال تستنزف قدرًا من الثقة العامة، وكل شبكة نفوذ تفرض عبئًا إضافيًا على بيئة تعيش تحت ضغط متواصل، فتزداد الهشاشة، وتتسع الفجوات، وتتعمق مشاعر القلق والترقب.
ومن هذه الأرضية تنشأ مرحلة جديدة من الصراع تتعلق بالعقول أكثر مما تتعلق بالاحتياجات المادية.
وهنا تبرز معركة الوعي والهوية بوصفها إحدى أكثر المعارك تأثيرًا في مصير المجتمعات.
فالمجتمعات التي تمر بظروف استثنائية تستقطب إلى جانب برامج الإغاثة والخدمات مشاريع فكرية وثقافية وإعلامية متنوعة، تسعى إلى التأثير في الاتجاهات العامة وصياغة التصورات المستقبلية.
وفي هذا المجال يتحرك الوسطاء والوكلاء بين المؤسسات والمبادرات والمجتمعات المحلية، فينقلون الأفكار والرؤى والرسائل إلى داخل البيئات المستهدفة.
ومع تراكم السنوات تتشابك المصالح وتتقاطع التأثيرات، ويتحول تشكيل الوعي إلى ساحة تنافس واسعة تدور حول مفاهيم الانتماء والهوية والذاكرة والمستقبل.
وتكتسب هذه المعركة حساسيتها من طبيعة أدواتها؛ فهي تنفذ إلى التفاصيل اليومية، وتؤثر في صورة الذات، والعلاقة بالتاريخ، وطريقة فهم الواقع.
ولهذا تبرز الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى للقيم، ويكتسب التعليم دورًا محوريًا في بناء الوعي، وتتحول الثقافة إلى خط دفاع يحفظ التوازن الداخلي للمجتمع.
فالمرأة تحمل ذاكرة الأجيال، والأطفال يمثلون امتداد المستقبل، والشباب يشكلون القوة القادرة على تحويل التحديات إلى مسارات للنهوض والتجدد.
ويقود التأثير المتراكم في الوعي إلى ساحة أخرى أشد حساسية تتعلق بالصورة والسمعة والرواية. فالعصر الرقمي منح الكلمات والصور والمصطلحات سلطة واسعة في تشكيل الإدراك العام وصناعة الانطباعات الجماعية.
وأصبحت الروايات المتداولة عاملًا مؤثرًا في بناء المواقف وتوجيه التصورات على نطاق واسع.
ومن هنا تبرز «حرب المصطلح» بوصفها إحدى أخطر الحروب المعاصرة، وتجسد التجربة الرُّوْهَنجية أحد أوضح نماذجها. فالصراع امتد من الأرض إلى الاسم، ومن الحقوق إلى الهوية، ومن الواقع الإنساني إلى الرواية التاريخية.
وأصبح مصطلح «الرُّوْهَنْجَا» نفسه موضوعًا للتجاذب السياسي والثقافي، ودخل دائرة التوظيف الإعلامي والخطاب القومي المتشدد.
وفي هذا السياق سعت تيارات قومية وراخينية وبوذية متشددة إلى نزع الشرعية التاريخية عن الاسم، كما شاركت بعض الدوائر القومية الهندوسية في إعادة إنتاج خطاب يربط الروهنجا بالمخاوف الديموغرافية والتحولات السكانية والهجرة غير النظامية. ونتج عن ذلك انتقال الجدل من معاناة الإنسان إلى تعريف الإنسان، ومن الحقوق الأساسية إلى سؤال الانتماء والوجود التاريخي.
ومع انتشار الروهنجا في بلدان اللجوء والشتات، اتسعت دوائر تداول الصور النمطية، وجرى ربط مجتمع كامل بأفعال مجموعات محدودة أو بظروف استثنائية فرضتها بيئات اللجوء الممتد. واكتسبت بعض الأوصاف المختزلة حضورًا يفوق حضور الحقائق المركبة، فتحول الاسم من عنوان لهوية تاريخية إلى ساحة استقطاب وصراع رمزي.
وأنتج هذا المسار روايات جديدة أعادت تشكيل الإدراك العام تجاه الروهنجا، ودفعته من فضائه الإنساني والتاريخي إلى فضاءات التخويف السياسي والاستقطاب الإعلامي. وهكذا أصبحت معركة المصطلح جزءًا من معركة الاعتراف والشرعية والوجود الثقافي، وأصبحت حماية الاسم جزءًا من حماية الهوية نفسها.
ومن هنا تكتسب الرواية أهميتها الكبرى؛ فالرواية تحفظ الذاكرة الجماعية، وتوثق الجذور التاريخية، وتمنح المجتمع القدرة على تقديم نفسه للعالم بلغته الخاصة ورؤيته الخاصة. كما تمثل إحدى أهم أدوات الصمود في مواجهة التشويه وإعادة التعريف والاختزال.
ويرتبط المستقبل بقدرة الشعوب على تحويل التجارب القاسية إلى وعي ناضج، وتحويل الوعي إلى مشروع جامع، وتحويل المشروع إلى مسار ممتد عبر الأجيال. فالمعرفة تبني القوة، والتعليم يصنع الإنسان، والمؤسسات تحفظ الاستمرارية، والقيادة الراشدة توحد الطاقات وتوجهها نحو البناء والإنجاز.
ومن هنا يكتسب الاستثمار في الإنسان مكانته المركزية في كل مشروع للتعافي والنهوض. فالإنسان الواعي بهويته، المدرك لتاريخه، الواثق بقيمه، يمثل الثروة الأثمن والضمانة الأقوى لصناعة مستقبل متوازن ومستقر.
وهكذا تكشف التجربة الروهنجية أن الكارثة تفتح أبوابًا لحروب ممتدة تتجاوز حدود الخسارة المباشرة إلى ساحات الاستغلال والوعي والهوية والرواية. وفي هذه الميادين تتحدد قدرة الشعوب على حفظ ذاكرتها، وصيانة شخصيتها، وتحويل المحنة إلى قوة دافعة نحو مستقبل أكثر رسوخًا وثقة وفاعلية.
ولمن أراد التوسع
ومن أراد الإحاطة بالجذور التاريخية والحضارية والإنسانية للقضية الروهنجية، فسيجد في كتاب «القومية الروهنجية ومملكة أراكان: النشأة، والتطور، والانحطاط، وسبل النهوض» دراسة جامعة تتتبع نشأة القومية الروهنجية، ومسيرة مملكة أراكان، والتحولات التي مرت بها، وأوضاع الروهنجا في الوطن والمنافي، والتحديات التي تواجههم، وآفاق النهوض الممكنة في المستقبل.
فالقضية الروهنجية، في جوهرها، قضية تاريخ وهوية وإنسان، وقصة شعب يواصل كتابة فصول حضوره وصموده بين ذاكرة الماضي وآفاق الغد.


