حكاية وراء أثر.. مازلنا بحدائق الحيوان بالجيزة
د. فاروق شرف
جبلاية الشمعدان بحدائق الحيوان بالجيزة
حين تحولت الصخور والنباتات إلى عمارة طبيعية تحكي تاريخ المكان.
* تُعتبر جبلاية الشمعدان من العناصر التراثية المميزة داخل حدائق الحيوان بالجيزة، وهي واحدة من التكوينات التي تعكس فلسفة تصميم الحدائق التاريخية في أواخر القرن التاسع عشر، حيث لم يكن الهدف إنشاء عنصر جمالي فقط، بل خلق تجربة بصرية وحركية تجمع بين التكوين الصخري، والنباتات النادرة، ومسارات الحركة، ومناطق الاستراحة.

* جاء تصميم الجبلاية ليكون عنصرًا معماريًا طبيعيًا داخل الحديقة، يعتمد على فكرة الصعود التدريجي واستكشاف مستويات مختلفة من التكوين، حيث تسمح الحركة داخلها برؤية الحديقة من زوايا متعددة.
* وسُميت بالشمعدان لما تتميز به من تكوين رأسي متعدد المستويات يوحي بشكل الشمعدان، حيث ترتفع الكتل الصخرية في صورة متدرجة تجمع بين القوة والرشاقة، مثل تكوين طبيعي منحوت عبر الزمن.
* تتميز جبلاية الشمعدان بتكوين رأسي يتكون من دوران (طابقين) مترابطين، صُمما بحيث يسمحان بالحركة والانتقال بين المستويات بواسطة سلالم ومصاطب واسعة.
وقد روعي في تصميمها أن تكون السلالم غير حادة أو مرهقة للزائر، بل جاءت على هيئة مصاطب عريضة متدرجة تحقق سهولة الصعود والراحة، مع وجود أماكن للجلوس والاستراحة على بعض المستويات، مما يعكس الفكر الإنساني في تصميم الحدائق التاريخية.
المكونات المعمارية والفنية عبارة عن :
– تكوينات صخرية ذات أسطح خشنة تحاكي الطبيعة.
– مستويان رأسيان للحركة والمشاهدة.
– سلالم عريضة على هيئة مصاطب متدرجة.
– مقاعد للاستراحة موزعة داخل التكوين.
– أرضيات مزينة بأشكال هندسية منفذة من الزلط الملون، تمثل عنصرًا زخرفيًا يكمل المشهد العام.
– مساحات خضراء وأشجار طويلة ونادرة متداخلة مع التكوين الصخري.
* أما بالنسبة للقيمة الفنية والتراثية:
تتميز جبلاية الشمعدان بأنها مثال على مفهوم العمارة الطبيعية، حيث لا تنفصل الصخور عن النباتات، ولا تنفصل الوظيفة عن الجمال؛ فكل عنصر له دوره في تكوين المشهد التاريخي للحديقة.
* كما أن الأرضيات المزخرفة بالزلط الملون تمثل جانبًا فنيًا مهمًا من أساليب تنسيق المواقع القديمة، حيث استخدمت الألوان والأشكال الهندسية لإضافة قيمة بصرية لمسارات الحركة ومناطق الجلوس.
* ما لا يعرفه كثير من الناس:
أن جبلاية الشمعدان لم تكن مجرد مكان للزينة أو التصوير، بل كانت جزءًا من فلسفة كاملة لتصميم الحديقة تعتمد على الانتقال بين الظل والنور، والارتفاع والانخفاض، والمشاهدة والاستراحة.
* كما أن وجود الأشجار المعمرة والنادرة حولها جعلها وحدة متكاملة بين العنصر النباتي والعنصر المعماري، وأصبح الحفاظ عليها يحتاج إلى رؤية تجمع بين الترميم المعماري والرعاية الزراعية المتخصصة.
* ولهذا فإن جبلاية الشمعدان تُعد شاهدًا حيًا على مرحلة تاريخية كانت تنظر إلى الحديقة باعتبارها عملًا فنيًا متكاملًا، يجمع بين الطبيعة والهندسة والجمال، لتبقى حكاية من حكايات التراث المصري الحديث.


