السبت, يونيو 13, 2026
الرئيسيةمقالاتأفول نجم من نجوم الدعوة والإصلاح والتنمية: الشيخ فريد الدين شودري
مقالات

أفول نجم من نجوم الدعوة والإصلاح والتنمية: الشيخ فريد الدين شودري

أفول نجم من نجوم الدعوة والإصلاح والتنمية: الشيخ فريد الدين شودري

عبده الشربيني حمام

خبا اليوم من أفق سيلهت نجم وضاء، وانطفأ سراج ظل لعقود متطاولة يبدد ظلمات الحرمان، ويشع نورا في أرجاء المجتمع والمؤسسات والقلوب. لقد ترجل عن صهوة الحياة رجل استثنائي ترك بصماته الواضحة في ميادين العلم والدعوة والإصلاح والتنمية.

ولم يكن الشيخ فريد الدين شودري مجرد نائب سابق في البرلمان، بل كان عالما ربانيا، ومربيا حكيما، ومصلحا اجتماعيا، وصانع نهضة، وقائدا نذر نفسه لخدمة الناس قبل أن يكون شخصية سياسية مرموقة. وكان فوق ذلك كله من أهل الصلاح والتقوى، عرف بصفاء سريرته، ونبل أخلاقه، وسعة صدره، وقربه من الناس حتى استقر حبه في القلوب، وبقي أثره شاهدا على حياة حافلة بالعطاء والبذل والإحسان.

لقد نزل خبر وفاته على سيلهت وعلى سائر أرجاء البلاد نزول الصاعقة، فخيم الحزن على القلوب، واكتست النفوس بثوب الأسى لفقد رجل قل أن يجود الزمان بمثله. فقد كان رحمه الله نموذجا فريدا للإنسان الذي وهب عمره لمحبة الناس وخدمتهم، وجعل من الصدق والنبل والكرم والإيثار منهاجا لحياته حتى غدت سيرته صفحات مشرقة من العطاء المتواصل والبذل الصادق.

وكان من ألمع ما تجلى في شخصيته تواضعه الآسر، ذلك التواضع الذي ازداد رسوخا كلما علت منزلته واتسعت شهرته. فلم تغره سلطة، ولم تستبد به مكانة، ولم تحجبه وجاهة عن الناس، بل بقي كما عرفه الجميع: هينا لينا، طلق المحيا، عذب الحديث، رقيق الفؤاد قريبا من الكبير والصغير، والغني والفقير.

ولم يعرف عنه رحمه الله خوض في أعراض الناس، ولا ولع بتتبع عثراتهم، ولا إساءة إلى مخالفيه، ولا انتصار للنفس على حساب الحق. بل كان مترفعا عن الغيبة والنميمة والجدل العقيم، واسع الصدر في تعامله مع المختلفين معه، يقابل الإساءة بالإحسان، ويجعل من حسن الخلق جسرا إلى القلوب. ولهذا تجاوزت محبته حدود الانتماءات والاصطفافات، فالتقت على تقديره القلوب على اختلاف مشاربها، وأجمع على احترامه الموافق والمخالف حتى أصبح في وجدان الناس رمزا للخلق الرفيع، ووجها من وجوه المروءة النادرة التي يخلدها التاريخ في ذاكرة الأجيال.

وقد عبر الشيخ ولي الرحمن رحمه الله عن حقيقة هذا الرجل بكلمات قليلة المبنى عظيمة المعنى، فقال: ما رأيت رجلا يماثل الشيخ فريد الدين في تواضعه وأدبه وصدقه ونقاء سيرته، ومواظبته على التهجد، وخشيته لله، وأمانته. ولم تكن هذه الشهادة إلا انعكاسا صادقا لما استقر في قلوب من عرفوه وخبروه عن قرب، فقد كان رحمه الله مثالا نادرا للخلق الرفيع، وصفاء السريرة، واستقامة السلوك حتى غدت سيرته ترجمة عملية للقيم التي كان يدعو إليها. أما محبته للناس فكانت سجية أصيلة في طبعه، وخصلة راسخة في تكوينه حتى أصبح حضوره في حياة الناس جزءا من ذاكرتهم الجميلة. فما إن يبلغه خبر مريض حتى يسارع إلى عيادته، مؤنسا لوحدته، ومخففا لآلامه، وباعثا في نفسه معاني الأمل والطمأنينة. وإذا وصله نبأ وفاة أحد من أبناء المنطقة هب مسرعا للمشاركة في تشييعه والصلاة عليه غير ملتفت إلى ما قد يثقله من مشاغل أو يرهقه من متاعب. وكان رحمه الله حاضرا في أفراح الناس وأتراحهم مشاركا لهم مناسباتهم الاجتماعية ومحافلهم الدينية، ومؤازرا لهم في الشدائد والملمات. فكم من بيت طرق بابه مواسيا، وكم من قلب جبر خاطره بكلمة طيبة أو موقف كريم. ولم يكن يفرق في ذلك بين قريب وبعيد أو مؤيد ومخالف، بل كان يرى الناس جميعا بعين الرحمة والمودة، ويعاملهم بروح الأب الحاني والأخ الشفيق.

وإذا كان لكل رجل في سجل الحياة عنوان يختصر مسيرته، فإن عنوان الشيخ فريد الدين شودري رحمه الله في عالم السياسة كان صناعة التنمية وخدمة الإنسان. فلم ينظر إلى المنصب بوصفه وجاهة أو امتيازا، بل رآه أمانة ومسؤولية ورسالة تجاه الناس. ولهذا شهدت كانايغات وجاكيغانج من سيلهت خلال فترة نيابته البرلمانية ما بين عامي 2001 و2006 نهضة تنموية لافتة، ما تزال أصداؤها تتردد على ألسنة الناس، وتنبض بها ذاكرة المكان.

فقد تسلم منطقة أثقلتها عقود من التهميش والحرمان، فإذا به يفتح أمامها آفاقا جديدة من العمران والتقدم. فامتدت الطرق حيث كانت العزلة، وشيدت الجسور حيث كانت المعاناة، ووصل نور الكهرباء إلى البيوت التي طال انتظارها للضياء، وتحولت مشروعات البنية التحتية من أحلام مؤجلة إلى حقائق ماثلة للعيان. وستظل جهوده في تطوير طريق برهان الدين، والإسهام في مشروع جسر سورما، وتعبيد الطرق الريفية، وتوسيع نطاق الكهرباء، صفحات ناصعة في تاريخ المنطقة، تشهد له بالإخلاص والوفاء وحسن الرعاية.

غير أن أعظم ما خلفه من آثار، وأبقى ما تركه من إرث، كان في ميدان التربية والتعليم، ذلك الميدان الذي آمن بأنه الركيزة الأولى لنهضة الأمم، والسبيل الأقوم لصناعة المستقبل. فقد كان يرى أن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن الأمة التي تمتلك العلم تمتلك أسباب العزة والريادة. ومن هذا الإيمان العميق انطلق في تأسيس المؤسسات التعليمية ورعايتها ودعمها حتى غدت بصماته حاضرة في عدد كبير من الصروح العلمية والتربوية من مدينة سيلهت إلى قريته ومسقط رأسه. وما تزال تلك المؤسسات تؤدي رسالتها في إعداد الأجيال وصناعة الكفاءات، شاهدة على رؤية بعيدة المدى وعزيمة لا تعرف الفتور. ولم يكن رحمه الله مشيدا للمباني فحسب، بل كان مشيدا للعقول، وصانعا للرجال، ومربيا للأجيال. فقد أدرك أن أعظم الاستثمارات هو الاستثمار في الإنسان، وأن الأبنية مهما علت قيمتها تبقى جامدة ما لم تسكنها عقول مستنيرة وقلوب عامرة بالإيمان والعلم. ولذلك امتد أثره في النفوس قبل المؤسسات، وفي الأجيال قبل الأبنية، وبقي عطاؤه التربوي صدقة جارية يتردد خيرها جيلا بعد جيل.

وكان رحمه الله من العلماء الربانيين الذين جمعوا بين عمق المعرفة وصفاء الروح، وبين نور العلم وخشوع العبادة. فقد تبوأ مكانة مرموقة في ميدان التفسير والدعوة حتى غدا منارة يهتدى بها، ومرجعا ينهل من معينه طلاب العلم وعامة الناس. وإذا اعتلى منبر التفسير أو جلس مجلسا للوعظ والإرشاد أقبلت القلوب إليه قبل الأسماع، وأصغى الحاضرون إلى حديثه في سكون وإجلال.

وفي حياته الخاصة كان مثالا يحتذى في الزهد والورع والعبادة. فعلى الرغم من ثقل المسؤوليات وكثرة المشاغل، ظل مواظبا على قيام الليل وملازما لمحراب التهجد جامعا بين الإخلاص في عبادة ربه والإحسان إلى خلقه.

واليوم، وإن وارى الثرى جسده الطاهر، فإن روحه باقية في آثارها، وحياته ممتدة في عطائها، وذكراه خالدة في القلوب التي أحبته، وفي المؤسسات التي أنشأها، وفي الأجيال التي رباها، وفي القيم التي جسدها واقعا معاشا. لقد رحل الرجل غير أن رسالته لم ترحل، وغاب الشخص غير أن أثره ما يزال حاضرا في كل زاوية من زوايا هذه المنطقة التي أفنى عمره في خدمتها.

وسيظل اسم الشيخ فريد الدين شودري متلألئا في سجل تاريخ كانايغات وجاكيغانج في محافظة سيلهت كما تتلألأ النجوم في صفحات السماء. وكلما ذكرت مسيرة التنمية، أو استعرضت جهود الإصلاح والتعليم والدعوة سيستحضر اسمه بإجلال وتقدير بوصفه واحدا من الرجال الذين وهبوا أعمارهم لأمتهم، وتركوا وراءهم إرثا من الخير يصعب أن يتكرر. نسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يفيض عليه من رضوانه، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنان، وأن يرفع درجاته في عليين، وأن يجزيه عن دينه ووطنه وأمته خير الجزاء، وأن يجمعه في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

رحم الله الشيخ فريد الدين شودري رحمة واسعة، وجعل ذكراه الطيبة صدقة جارية في سجل أعماله إلى يوم الدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *