حين يسبق الشعور بالمعرفة المعرفة نفسها
بقلم: د/ زُبير سُلطان ربّاني
كاتب في الفكر الإسلامي وقضايا الواقع المعاصر
تعيش البشرية اليوم عصرًا تتدفق فيه المعلومات بكثافة غير مسبوقة. وخلال دقائق معدودة يستطيع الإنسان أن يتصفح عشرات التحليلات والملخصات والشروحات والآراء، وأن ينتقل بين السياسة والاقتصاد والتاريخ وعلم النفس والتقنية والفكر. ومع هذا التدفق المتواصل يتشكل داخل الوعي مسار نفسي ومعرفي دقيق يبدأ بالتعرض المتكرر للأفكار، ثم يولد ألفة بها، ثم ينشئ إحساسًا بفهمها، ثم يرتقي تدريجيًا إلى شعور بالتمكن منها. وعند هذه اللحظة تنشأ واحدة من أخطر ظواهر العصر الفكرية؛ حين يسبق الشعور بالمعرفة المعرفةَ نفسها.
فالمعرفة تنمو عبر التدرج والتراكم والنضج. وهي ثمرة قراءة وتأمل وتحليل ومراجعة وربط بين الأفكار والنتائج والسياقات. أما الشعور بالمعرفة فيتشكل بسرعة لافتة؛ إذ تمنح الألفة بالمفاهيم إحساسًا بالفهم، ويمنح تكرار المصطلحات شعورًا بالإحاطة، ويمنح تداول القضايا انطباعًا بالتمكن منها. وهكذا يكتمل الشعور بالمعرفة في وقت مبكر، بينما تبقى المعرفة نفسها في مراحلها الأولى من التكوين.
ومن هذا الخلل يولد «وهم المعرفة». وهو مرض فكري يقوم على استبدال المعرفة الحقيقية بالشعور بها. فالعقل ينتقل من الألفة إلى الشعور بالفهم، ثم ينتقل من الشعور بالفهم إلى الاعتقاد بامتلاك المعرفة. ومع مرور الوقت يكتسب هذا الاعتقاد قوة داخلية متزايدة، حتى يصبح صاحبه مقتنعًا بأنه يعرف، مع أن ما اكتمله في الواقع هو الإحساس بالمعرفة أكثر من المعرفة ذاتها.
وتتجلى خطورة هذا المرض في قدرته على احتلال المكان الذي يفترض أن تشغله المعرفة. فبدل أن يقود الشعور بالمعرفة إلى مزيد من التعلم، يتحول إلى شعور بالاكتفاء. وبدل أن يفتح أبواب البحث، يرسخ القناعة بأن الصورة أصبحت واضحة. وبدل أن يدفع العقل إلى التعمق، يمنحه راحة مبكرة توحي له بأن الفهم قد اكتمل. وعند هذه المرحلة يبدأ الإنسان في التعامل مع انطباعاته الأولية بوصفها رؤى راسخة، ومع تصوره الجزئي بوصفه فهمًا شاملًا.
ومن هنا يصاب السؤال بأول آثار هذا المرض. فالسؤال هو القوة المحركة للمعرفة، وهو الباب الذي تتوسع من خلاله الرؤية، وهو الجسر الذي يعبر عليه العقل من الظاهر إلى الأعمق. وحين يترسخ الشعور بالمعرفة، يتراجع حضور السؤال، وتتقلص مساحة الفضول، وتفقد المراجعة كثيرًا من ضرورتها. ويتحول العقل تدريجيًا إلى دائرة مغلقة تدور حول ما يظنه معرفة مكتملة.
وتمنح البيئة الرقمية المعاصرة هذا المرض قدرة أكبر على الانتشار. فالتصفح السريع، والملخصات المختزلة، والعناوين الجاذبة، والمقاطع القصيرة، تغذي الإحساس بالفهم بصورة متواصلة. ومع تراكم هذا الإحساس يتوسع الشعور بالمعرفة أسرع من توسع المعرفة نفسها. ويترسخ اقتناع داخلي بأن التعرض للمعلومة يساوي امتلاكها، وأن تداول الفكرة يساوي استيعابها، وأن القدرة على الحديث عنها تعني الإحاطة بها.
وعندما يترسخ هذا الوهم تنشأ ثقة أكبر من الرصيد المعرفي الفعلي. فالمعرفة الراسخة توسع أفق الإنسان، وتكشف له تعقيد القضايا وتشابك أبعادها، وتفتح أمامه أسئلة جديدة كلما تعمق في الفهم. أما «وهم المعرفة» فيمنح صاحبه شعورًا بالوضوح السريع والحسم السهل واليقين المبكر. ومن هنا تتسع مساحة الجزم، وتتقدم الأحكام على الدراسة، ويتحول الانطباع إلى مرجعية فكرية تحكم النظر والتقويم.
ومن رحم هذه الثقة المتعجلة تولد ظاهرة «التجرؤ والتصدر». فالشعور بالمعرفة يمنح صاحبه إحساسًا بالأهلية، ثم يتحول هذا الإحساس إلى استعداد للكلام والتوجيه والتقويم وإصدار الأحكام. ويصبح التصدر أسرع من التأهل، والحضور أسبق من النضج، والتعبير عن المواقف أيسر من بناء الأسس العلمية التي تقوم عليها تلك المواقف.
وعندما تتسع هذه الحالة وتتحول إلى نمط شائع في الوعي العام، يتشكل مرض ثقافي واسع الأثر. ويأخذ «وهم المعرفة» مكان المعرفة، وتأخذ الثقة مكان الفهم، وتأخذ الانطباعات مكان الرؤية العميقة. وعند هذه النقطة يكتسب الوهم سلطة فكرية واسعة، ويصبح الشعور بالمعرفة أكثر تأثيرًا من المعرفة نفسها.
وبين الشعور بالمعرفة والمعرفة نفسها مسافة طويلة تصنعها القراءة العميقة، والمراجعة الصادقة، والتفكير المتأني، والخبرة المتراكمة، والقدرة على إعادة النظر في القناعات وتطويرها. وفي هذه المسافة يتحدد الفرق بين من يحمل إحساسًا بالمعرفة ومن يحمل معرفة حقيقية، وبين من يملك صورة الأشياء ومن يدرك حقائقها. وهناك تبدأ الرحلة الحقيقية للعقل؛ حين يعود الشعور بالمعرفة إلى حجمه الطبيعي، وتتقدم المعرفة نفسها لتقود الفكر
والوعي والبصيرة

