الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةاخبار(ما بعد النجاة).. بقلم ريهام عبد الواحد
اخبارمقالات

(ما بعد النجاة).. بقلم ريهام عبد الواحد

ستعودُيومًا من كلِّ المعارك التي خضتَها مُكرها، .ومن كلّ الليالي التي ظننت منها أن الصباحَ لن يعبرَإليها، ومن كلِّ الأوجاع التي حسبتَ أنها ستقيمُ في قلبك إلى الأبد… ستعودُ، نعم، لكنَّ العائدَ لن يكونَ هو الراحل.

فبعضُ الطرق لا نعبرها كما دخلناها، وبعضُ الخسارات لا تأخذُ منَّا شيئًا ثم تمضي، بل تمضي وهي تحملُ معها أجزاءً من أرواحنا، وتتركُ في المقابل أشياءَ لم تكن فينا من قبل. كأنَّ الحياةَ كلَّما مرَّت بنا مرَّةً مرَّرت أصابعها على ملامح أرواحنا، فمحَتْ منها ما كان، ورسمتْ فيها ما سيكون.

نوايا طيبة

ستعودُ وقد انطفأ فيك شيءٌ كان يُضيء بلا حساب؛ لن تُلقي بقلبك في أيدي الناس كما كنت، ولن تُصدِّق الكلمات لأنها قيلت بوجهٍ باسمٍ أو بصوتٍ رقيق. ستتعلم أنَّ النوايا الطيبة ليست دائمًا كما تبدو، وأنَّ بعض الابتسامات تخفي وراءها ما لا تُفصح عنه العيون.

ستعودُ وفي روحك صمتٌ طويل، ليس صمتَ العاجز عن الكلام، بل صمتَ الذي جرَّب أن يشرح أوجاعه فلم يفهمه أحد، فآثر أن يحتفظ ببعض الحكايات بينه وبين الله. ستصبح في داخلك مدنٌ كاملة من المشاعر لا يراها أحد، وكتبٌ من الذكريات لا يطالعها سواك، وأبوابٌ كثيرة أوصدتها التجارب بعد أن كانت مفتوحةً على اتساعها.

الحكمه

ستعودُ أكثرَ حكمةً، لكنَّك ستعرف أنَّ الحكمة ليست هبةً مجانية؛ إنها الثمن الذي ندفعه مقابل كلِّ ما خدعنا

ستتغيَّر مقاييسك دون أن تشعر؛ ما كنتَ تراه يومًا قمَّةَ السعادة سيبدو عابرًا، وما كنتَ تغفل عنه سيصبح أثمن ما تملك. ستعرف أنَّ الطمأنينة أغلى من الانتصار، وأنَّ راحة القلب أعظم من كثرة المكاسب، وأنَّ الإنسان لا يحتاج إلى الكثير ليكون سعيدًا كما كان يظن، بل يحتاج إلى أشياء قليلة صادقة لا أكثر.

وستسقط من يدك أشياءُ كثيرة كنتَ تتمسَّك بها بكلِّ قوتك؛ أحلام، وأشخاص، وتوقعات، وصورٌ رسمتها للمستقبل. لن تسقط لأنك ضعفت، بل لأنك أدركت أنَّ بعض ما نُمسك به يؤذينا أكثر مما يحمينا، وأنَّ التعلُّق المفرط ليس حبًّا دائمًا، بل خوفٌ من الفقد.

بعد سنوات

وحين النظرإلى نفسك بعد سنوات..تكاد،  لا تعرف ذلك الإنسان الذي اعتدت يومًا. ستراه بريئًا أكثر مما ينبغي، مندفعًا أكثر مما ينبغي، ومطمئنًّا إلى الدنيا أكثر مما ينبغي. وستبتسم بحزنٍ خفيف، لأنك فاهم  أنَّ الحياة لم تكن تعاقبك حين أخذت منك بعض ما أحببت، بل كانت في  إعادةتشكيلك على مهل، وتُخرج من أعماقك إنسانًا لم يكن يولد..لولا تلك العواصف.

وعندها ادراك حقيقةً لم تكن تفهمها من قبل: أنَّ النجاة ليست أن تخرج من الألم كما دخلته، بل أن يمرّ الألم بك فيترك فيك إنسانًاآخر؛ أكثر هدوء و وعيا، وأقلَّ اندهاشًا بالدنيا، لكنه أعمق نظرًا، وأصدق فهمًا، وأقرب إلى نفسه من أيِّ وقتٍ مضى.

فبعضُ الندوب صعب شفائها تمامًا، لكنها محولةمع الزمن إلى مواضع للنور… وبعضُ الانكسارات صعبة النسيان لكنها تُعلِّم القلب كيف يقف بعد كلِّ سقوط؟، وكيف يواصل السير؟..، لا لأنه لم يعد يتألم، بل لأنه تعلَّم أن يحمل ألمه بكرامة، وأن يمضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *