صلاح الدين الأيوبي: سقوط ورقة التوت عن رجل الدولة لا رجل الدين
✍️ بقلم: أشرف بن ماضي
يكفي شعارات. يكفي مسلسلات. يكفي أن نحاكم القرن السادس الهجري بعاطفة القرن الحادي والعشرين.
لنفتح كتب التاريخ ونقرأ ما كتبه رجاله، لا ما كتبه كتاب السيناريو.
هذه ليست حرب على رمز. هذه محاكمة وثائق لرجل حكم 24 عاما فغير وجه المنطقة. فماذا فعلا؟
أولا: خيانة الأمانة – من وزير إلى ملك
في سنة 564هـ دخل يوسف بن أيوب القاهرة وزيرا مملوكا لنور الدين زنكي. أقسم الولاء. أكل من خير الفاطميين الذين آووه وهو غريب.
>بعد 3 سنوات فقط من وفاة نور الدين سنة 569هـ، كان صلاح الدين يحارب أبناءه في حلب والموصل ودمشق.
ابن واصل في مفرج الكروب يقولها صريحة: “كانت حروب الأيوبيين مع بني زنكي أطول من حروبهم مع الفرنج”.
فأي توحيد هذا؟ التوحيد كان تحت سيف الأيوبي لا تحت راية الجهاد. الهدف لم يكن فلسطين. الهدف كان التاج.
ولو وضع صلاح الدين في محكمة عسكرية عادلة بتهمة نقض العهد والخروج على ولي الأمر الذي ولاه، لما نجا من حكم الإعدام. هذا هو الميزان القانوني في زمانه وفي زماننا.
ثانيا: جريمة الإبادة الثقافية – حرق القاهرة الفاطمية
لم يكتف بإسقاط الدولة الفاطمية سنة 567هـ. أراد محوها من الذاكرة.
المقريزي في المواعظ والاعتبار يوثق الكارثة:
أصدر أمرا بمصادرة مكتبة القصر الفاطمي. 120 ألف مجلد. كتب في الفلك والطب والفلسفة والفقه. فرزها القاضي الفاضل يوما كاملا، ثم أمر ببيع الباقي في الأسواق بثمن بخس. ضاعت علوم قرون في أسبوع.
وأغلق 30 مدرسة شيعية. شرد العلماء. منع الأذان بحي على خير العمل. هذه ليست سياسة. هذه حرب تطهير فكري ومذهبي.
فأين مقولة “حارب الشيعة فقط لتوحيد الصف”؟ الصف توحد بالسيف لا بالحجة.
ثالثا: جيش المرتزقة وتهميش المصريين
اذهب وعد أسماء قادة حطين. لن تجد مصريا واحدا.
الجيش كان أكرادا وأتراكا وتركمان وأرمن وأسرى صليبيين مجندين.
لماذا؟ لأن صلاح الدين لم يثق في أهل البلد الذي حكمهم. خاف من انقلاب. فبنى ملكه على الغرباء.
حتى خزينة مصر التي كانت عامرة في العصر الفاطمي، أفرغها على جيشه وقلاع الشام. المصري دفع الضريبة ولم يأخذ القرار.
رابعا: صلح الرملة – الهزيمة المغلفة بالنصر
>بعد أن حرر القدس في 583هـ، كان بإمكانه أن يطهر الساحل كله. لكنه اختار التفاوض مع ريتشارد قلب الأسد.
بنود الصلح 588هـ كما سجلها العماد الأصفهاني شاهد العيان:
1. اعتراف رسمي بوجود دولة صليبية من صور إلى يافا. أي ترك الخاصرة مفتوحة.
2. فتح القدس للحجاج الصليبيين دون قيد. أي إعادة النفوذ الغربي للمدينة.
3. هدم عسقلان بيده. قلعة الجنوب التي كلفته دما. هدمها حتى لا تكون شوكة في ظهر الصليبيين مستقبلا.
الأخطر أن المصادر تذكر أنه كان يرسل إلى معسكر ريتشارد ما يحتاجه من إمدادات. ابن شداد يذكر في النوادر السلطانية أن صلاح الدين أمر بإرسال الثلج من جبال لبنان إلى خيام الصليبيين في عكا وقت الحر. هذه ليست مروءة فرسان. هذه سياسة استنزاف محسوبة.
خامسا: هدم الأهرامات وفكر التطرف السياسي
في كتاب المقريزي المواعظ والاعتبار، وفي كتاب الخطط، ورد أن صلاح الدين أمر بهدم 17 هرما صغيرا في منطقة الجيزة بحجة أنها أصنام ووثنية.
هذا هو نفس منطق الجماعات المتطرفة اليوم: هدم التراث باسم الدين. الفرق الوحيد هو الزمن. الفكرة واحدة. تدمير الحضارة تحت شعار التطهير.
سادسا: إحياء اليهودية وموسى بن ميمون
>نفس الرجل الذي أغلق المدارس الشيعية في القاهرة، هو من أعاد لليهود شعائرهم العلنية بعد أن كانت ممنوعة في العصر الفاطمي المتأخر. وأعطى الأمان لموسى بن ميمون ليعيش في مصر ويترأس الجالية اليهودية.
موسى بن ميمون أشهر إسلامه في قرطبة تحت ضغط الاضطهاد، ثم ارتد علنا في مصر وعاد إلى اليهودية وأصبح حاخاما. وعينه صلاح الدين طبيبه الخاص.
فالقضية لم تكن دين. القضية كانت سلطة. من يخدم الملك يبقى. ومن يهدد الملك يباد. شيعي أو سني أو يهودي لا فرق.
سابعا: من قتل أكثر؟
الأرقام في كتب التاريخ لا تكذب. الحروب التي خاضها صلاح الدين ضد بني زنكي في حلب والموصل، وضد الفاطميين في مصر، وضد الثورات الداخلية، راح ضحيتها من المسلمين السنة أضعاف من قتلوا في مواجهاته مع الصليبيين.
المصدر: ابن الأثير في الكامل، وأبو شامة في الروضتين.
فلو كانت حربا مذهبية ضد الشيعة فقط، فلماذا كان عمه شيركوه نفسه وزيرا في بلاط الفاطميين وخدم دولتهم سنوات؟
الحكم النهائي
صلاح الدين كان عبقريا في شيء واحد: صناعة الدولة. دولة مركزية يحكمها بيت أيوب من مصر إلى اليمن.
ولكنه لم يكن صلاح الدين الذي في خيالنا. لم يحارب من أجل تحرير المقدسات فقط. حارب من أجل الملك.
تحالف مع الصليبيين ضد مسلمين، وحارب مسلمين ليحارب صليبيين، وباع واشترى وهدم وبنى.
رحم الله الأستاذ جمال بدوي. كان يقول جملة واحدة تهدم كل الأوهام: “بطلوا تبحثوا عن أبطال في كتب التاريخ. ابحثوا عن بشر”.
التاريخ لا يصنعه القديسون. التاريخ يصنعه السياسيون الذين يعرفون متى يطعنون في الظهر ومتى يصافحون العدو.
اكسروا الصنم. حتى نرى الإنسان. وحتى نكف عن تكرار نفس الخطأ: نبحث عن منقذ فرد، وننسى أن الأمم لا تبنى بالأفراد.



