الهداية نور يخلقه الله في القلب، فتشرق به الروح، ويصفو به الشعور، وتتحول الطاعة إلى سكينة عميقة يشعر معها الإنسان أن قلبه عاد إلى موطنه الحقيقي. فالإيمان حين يستقر في النفس يمنحها اتزانًا، ويغرس فيها تعظيم الله، ويجعل رضاه أعظم مطلوب، حتى تصبح حياة القلب مرتبطة بالقرب من الله، والتطلع إلى رحمته، والخوف من البعد عنه.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: 7].
فالآية تكشف أن الإيمان منحة ربانية عظيمة؛ فالله هو الذي يفتح القلوب على النور، ويغرس فيها محبة الطاعة، ويورثها نفورًا من الكفر بأنواعه، والفسوق بصوره، والعصيان بمسالكه وأبوابه. والعبد يسعى إلى الاستقامة، ويجاهد نفسه، ويرجو رحمة الله وعفوه ومغفرته، حتى يتفضل الله عليه بهذا الفتح المبارك.
ولهذا كان الصالحون يعيشون في افتقار دائم إلى الله؛ لأنهم يدركون أن حياة القلب كلها بيده سبحانه، وأن أعظم النعم أن يشرح الله صدر العبد للإسلام، وأن يجعل الطاعة محببة إلى روحه.
وقد كان رسول الله ﷺ يُكثر من الدعاء بقوله:
«يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك» (الترمذي، السنن: 2277).
وجاء عنه ﷺ:
«إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرّف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك»» (مسلم، الصحيح: 2654).
ولهذا كان أهل الإيمان يستشعرون خوفًا دائمًا على قلوبهم، ويعيشون بين الافتقار إلى رحمة الله، والرجاء في ثباته وتوفيقه؛ لأن القلب لا يثبت بقوة الإنسان، وإنما يثبته الله برحمته، ويفتحه بنوره، ويغرس فيه محبة الإيمان وكراهية الكفر والفسوق والعصيان.
ولهذا قال تعالى:
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125].
وحين يفتح الله هذا الباب لعبده، يشعر الإنسان بسكينةٍ تملأ قلبه، وطمأنينةٍ تمنحه سلامًا داخليًا يفوق متاع الدنيا كله. ولهذا تحدث الصالحون عن لذة الإيمان حديث من ذاق نعيمًا يملأ القلب نورًا وراحة.
قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله:
«لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور لجالدونا عليه بالسيوف أيام الحياة» (ابن الجوزي، صفة الصفوة: 2/335).
وقال مالك بن دينار رحمه الله:
«مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها. قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: معرفة الله ومحبته والأنس به».
فالقضية كلها قضية قلب، ولهذا جاء التوجيه النبوي الجامع:
«ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (البخاري، الصحيح: 52، ومسلم، الصحيح: 1599).
فصلاح القلب يظهر في نظرة الإنسان، واختياراته، وتعظيمه لحدود الله، وشعوره بهيبة الحلال والحرام.
والقلب الذي امتلأ بالإيمان يستشعر أن ما يغضب الله لا يليق بروح أكرمها الله بالقرب منه، ولهذا يتعفف المؤمن عن الحرام، ويترفع عن مواطن المعصية، ويشعر أن الطاعة صفاء للقلب ورفعة للروح.
وحين يجد الإنسان في قلبه محبةً للإيمان، ومحبةً للطاعة، ونفورًا من الكفر بأنواعه، والفسوق بصوره، والعصيان بأشكاله، وكراهيةً لما يسخط الله؛ فليحمد الله كثيرًا على هذه النعمة العظيمة، لأن هذا الشعور أثر من آثار رحمة الله وعفوه وتوفيقه. فالقلب الذي أقبل على الله بهذا الصدق، واستشعر جمال الطاعة، وتعفف عن الحرام، قلب أراد الله به خيرًا، وفتح له باب الهداية، وغرس فيه نور الإيمان.
أما القلب الذي ينساق خلف الشهوات، ويتقلب بين الشبهات، ويضعف فيه تعظيم الله، ويعتاد الذنب حتى تخف في نفسه هيبة المعصية، فقد دخل طريقًا موحشًا تذبل فيه حياة القلب شيئًا فشيئًا. فالمعاصي حين تتكرر تطفئ نور البصيرة، وتورث القلب قسوة وغفلة، حتى يصبح الإنسان يرى ما يغضب الله بعين باردة، وقلب استسلم للاعتياد، وروحٍ غابت عنها حرارة الخشية.
وفي هذا الزمن اتسعت مساحة التجرؤ على المعاصي، حتى أصبحت بعض صور الحرام جزءًا من المشهد اليومي المألوف، وتكاثرت دعوات الشهوات، وانتشرت الشبهات التي تزين الانحراف، وتدفع القلوب إلى التهاون بحرمات الله، حتى ضعفت في كثير من النفوس هيبة الذنب، وخفّ استشعار مراقبة الله، وغابت رهبة الوقوف بين يديه.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124].
فالحياة الضنك تبدأ من داخل القلب؛ إذ تضيق الروح، ويضطرب الشعور، وتفقد النفس سكينتها، مهما أحاطت بالإنسان أسباب المتعة والزينة. ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125].
وهي صورة مهيبة تكشف مقدار المشقة الروحية التي تعيشها القلوب البعيدة عن نور الهداية؛ لأن الأرواح تستمد سكينتها من قربها من الله، وتجد حياتها الحقيقية في نور الإيمان.
وحين يصرّ الإنسان على المعصية، ويستخف بحرمات الله، ويستمرئ الذنب دون رجوع أو إنابة، يشتد على القلب أثر القسوة والغفلة، حتى يصل إلى حالٍ يفقد معه صفاء البصيرة، ويضعف فيه نور الهداية، ولهذا قال الله تعالى:
﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 93].
فالهداية فضل رباني يهب القلب بصيرةً، ويمنحه قدرة على تمييز الحق، والشعور بجمال الطاعة، واستحضار عظمة الله في السر والعلن.
وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ:
«ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان…» (البخاري، الصحيح: 16، ومسلم، الصحيح: 43).
ولفظ «الحلاوة» يكشف أن الإيمان حياة وجدانية عميقة؛ إذ يشعر المؤمن براحةٍ في الطاعة، وسكينةٍ في القرب من الله، وصفاءٍ في علاقته بربه، حتى يصبح قلبه أكثر تعلقًا بالله، وأكثر توقًا إلى مرضاته.
ومن هنا، حين يجد الإنسان في نفسه محبةً للطاعة، وتعظيمًا لحرمات الله، ونفورًا من الكفر بأنواعه، والفسوق بصوره، والعصيان بأشكاله، فليعلم أن الله أراد بقلبه خيرًا، وفتح له باب الهداية، وزين الإيمان في روحه.
فأساس التميز في ميزان الله يقوم على صفاء القلب، وصدق الإقبال عليه، وتعظيم حدوده، وحياة الإيمان التي ترفع الإنسان عند ربه، لا على زخارف الدنيا العابرة. ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].
فالتنافس الحقيقي يدور حول القرب من الله، وطهارة القلب، ورفعة الإيمان، وعلو المنزلة عند الله، لا حول شهوات تستنزف الروح، ولا حول متاع يفصل القلب عن نور الهداية، ويجعل الإنسان يتحرك في الحياة دون بصيرة تهديه إلى ما يرضي الله.
وهنا تتجلى الغاية الكبرى في حياة المؤمن؛ أن يبقى قلبه متعلقًا بالله، راجيًا رحمته، سائلًا إياه دائمًا أن يحبب إليه الإيمان، ويزينه في قلبه، ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، حتى يعيش القلب في نور الهداية، وتمتلئ الروح بالسكينة، ويجد الإن
سان في القرب من الله أعظم معاني الحياة.

