الرئيسيةمقالاتوإن طالت… فعند الجبار جبرك..بقلم: مستشار محمود السنكري
مقالات

وإن طالت… فعند الجبار جبرك..بقلم: مستشار محمود السنكري

وإن طالت… فعند الجبار جبرك..بقلم: مستشار محمود السنكري

وإن طالت… فعند الجبار جبرك

بقلم: مستشار محمود السنكري

حين يطول الطريق وتثقل الخطى ويظن القلب أن النهاية قد غابت خلف أفقٍ لا يُرى… تذكّر أن هناك اسمًا من أسماء الله لا يُخطئ الموعد ولا يخذل المنكسرين “الجبار”.

ليس الجبار الذي يقهر عباده بل الذي يجبر كسرهم ويضم شتاتهم ويعيد ترتيب أرواحهم بعد أن بعثرتها الحياة.

إنها لحظات يمر بها كل إنسان لحظات يبدو فيها الانتظار عبئًا والصبر امتحانًا يتجاوز القدرة والدعاء كأنه يصعد في صمت لكن الحقيقة التي تغيب عنا في زحام الألم أن الله لا يغيب وأن التأخير ليس إهمالًا بل تدبيرًا أدق مما نتصور.

قال الله تعالى في كتابه الكريم:

“فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”

لم يقل بعد العسر.. بل معه… كأن اليسر يسير بجوارك وإن لم تره بعد.

وفي موضع آخر يحنوا الله على القلوب المنكسرة:

“وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ”

كم من بابٍ أُغلق فحزنّا وكان في إغلاقه النجاة ، وكم من أمنيةٍ تأخرت فبكينا وكان في تأخرها الرحمة.

إن الإنسان بطبعه يستعجل ويظن أن كل تأخير خسارة وكل انتظار ألم بلا معنى ، لكن الله يعلّمنا درسًا عظيمًا:

أن ما عنده لا يُنال بالعجلة بل باليقين.

قال رسول الله ﷺ:

“واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا”

كلمات قليلة لكنها تضع قانون الحياة كله في ميزانٍ واحد: لا كرب يدوم ولا ضيق يستمر ولا ليل مهما طال إلا ويعقبه فجر.

وحين تضيق بك الدنيا تذكّر هذا النداء الرباني الحاني:

“لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ”

فالقنوط ليس من صفات المؤمنين لأنهم يعرفون ربًا إذا أراد قال للشيء كن فيكون.

إن الجبر لا يأتي دائمًا بالصورة التي ننتظرها، أحيانًا يأتي في صورة صبرٍ مفاجئ يسكن قلبك،

أو طمأنينةٍ بلا سبب أو بابٍ يُفتح في وقتٍ لم تعد تنتظر فيه شيئًا.

ذلك هو الجبر الحقيقي… أن يبدل الله حالك دون أن تشعر كيف، وأن ينقلك من حافة الانكسار إلى سعة الرضا في لحظةٍ لا يراها سواه.

وفي الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني”

فكما تظن بالله يكون عطاؤه لك..إن ظننت الفرج أتاك الفرج وإن أيقنت الجبر جبرك.

لا تظن أن دمعتك ضاعت ولا أن تنهيدتك ذهبت هباءً.

كل ألمٍ تشعر به مكتوب محفوظ محسوب عند الله.

بل إن النبي ﷺ قال:

“ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن… حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه”

فحتى الألم… له أجر وحتى الحزن… له معنى.

وما أجمل أن يدرك الإنسان أن الله لا يختبره ليكسره بل ليعيد تشكيله بصورةٍ أجمل وأن كل ما مر به لم يكن عبثًا بل إعدادًا لمرحلةٍ أعظم.

فإن طال بك الانتظار فاصبر وإن اشتد عليك البلاء فاصبر وإن ضاقت بك الأرض بما رحبت فاصبر.

لأن الجبار لا يترك قلبًا مكسورًا إلا وجبره ولا دعاءاً صادقًا إلا ورفعه ولا صبرًا جميلًا إلا وكافأ عليه بما يليق بكرمه.

وفي النهاية… تذكّر دائمًا:

أن ما يؤلمك اليوم قد يكون سبب نجاتك غدًا،

وأن ما تبكي عليه الآن قد تحمد الله عليه لاحقًا،

وأن الجبر… آتٍ لا محالة.

فاطمئن..

وإن طالت… فعند الجبار جبرك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *