الرئيسيةمقالاتكيف أسهم الإسلام في تشكيل المجتمع والثقافة في البنغال؟
مقالات

كيف أسهم الإسلام في تشكيل المجتمع والثقافة في البنغال؟

كيف أسهم الإسلام في تشكيل المجتمع والثقافة في البنغال؟

 

بقلم: بقلم أحمد شوقي عفيفي

داعية إسلامي وكاتب بنغالي

 

كانت منطقة البنغال التي تشمل اليوم بنغلاديش وولاية البنغال الغربية في الهند مهدا لحضارة غنية متعددة الأبعاد منذ أقدم العصور. وقد تشكلت بنية المجتمع وثقافته عبر تفاعل تاريخي متواصل بين المكونات الآرية وغير الآرية، والتقاليد البوذية والهندوسية، وثقافات الشعوب الأصلية. وفي امتداد هذا المسار الحضاري الطويل، برز الإسلام بوصفه مرحلة جديدة في تاريخ البنغال، غير أنها كانت مرحلة عميقة الأثر واسعة الامتداد. فعلى مدى أكثر من ألف عام، أرسى الإسلام حضورا راسخا في المجتمع البنغالي، وأسهم في صياغة ثقافته وتعليمه ولغته وفنونه ونظمه السياسية وقيمه الأخلاقية، حتى غدا هذا الحضور جزءا لا ينفصل عن الهوية البنغالية المعاصرة.

كان مجيء الاسلام الى البنغال مجيئا وادعا، اتسم بالسلم في جوهره ومساره. ولم يكن ظهوره ثمرة واقعة عسكرية منفردة، بل حصيلة سيرورة تاريخية طويلة ومتعددة الوجوه. فمنذ القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، نسج التجار العرب وشائج التواصل التجاري على سواحل خليج البنغال، فغدت أمانتهم، ونزاهتهم الخلقية، وسلوكهم الإنساني الرفيع جسورا فتحت قلوب السكان المحليين على الإسلام. ثم تعاقب أثر المتصوفة من الاولياء والدراويش، فكان لدعوتهم الهادئة دور حاسم في تثبيت الإسلام وانتشاره، اذ حملوا الى المجتمع البنغالي رسالة قوامها محبة الانسان، والمساواة بين البشر، والارتقاء الروحي، فتهيأت النفوس لقبول الإسلام، وترسخ حضوره في البنية الاجتماعية والثقافية للبنغال.

جاء الإسلام حاملا رؤية حضارية جديدة، قوامها المساواة والسمو الإنساني، فكان بذلك أحد أبرز التحولات التي عرفها المجتمع البنغالي عبر التاريخ. ففي زمن كانت فيه البنية الاجتماعية رازحة تحت وطأة تقسيمات طبقية صارمة، أقام الإسلام ميزان الكرامة الإنسانية على أسس مغايرة، لا تقوم على النسب ولا على الطبقة، بل على الأخلاق والتقوى. وقد وجد هذا الخطاب صداه العميق لدى الفئات المهمشة والمستضعفة، ففتح أمامها آفاقا جديدة للانتماء والاعتبار. وهكذا لم يكن انتشار الاسلام في البنغال تحولا دينيا مجردا، بل تحول الى حركة تحرر اجتماعي اسهمت في اعادة تشكيل الوعي الجمعي، وترسيخ قيم العدالة والإنصاف في نسيج المجتمع.

تكونت الثقافة الإسلامية في البنغال في جوهرها عبر المسار الصوفي، إذ أضفت الحياة الروحية المتجسدة في الخانقاهات بعدا ثقافيا متفردا على المجتمع البنغالي. وقد تمازج هذا التراث الصوفي مع الموروث الشعبي المحلي، فانبثق عنه نمط ثقافي خاص أسهم في بلورة هوية بنغالية مسلمة متميزة. وتجلى العمق الروحي للإسلام في أشكال متعددة من الفنون الشعبية، ولا سيما الغناء الديني والوجداني، حيث انعكست القيم الروحية في الوجدان الجمعي للناس. ويؤكد هذا التفاعل الخلاق أن الإسلام في البنغال لم يكن حضورا وافدا أو مفروضا من الخارج، بل تجربة حضارية نمت في أحضان المجتمع المحلي، وتطورت من خلال عملية تفاعل وانسجام مع ثقافته وتقاليده.

لا ريب أن للإسلام إسهاما أصيلا في تشكل اللغة البنغالية وتطور آدابها. ففي العصر الوسيط، اكتسب الأدب البنغالي زخما متجددا في ظل رعاية الحكام المسلمين، فانبثقت حركة أدبية نشطة أسهمت في توسيع آفاق التعبير الثقافي. وقد أضفى تأثير اللغتين الفارسية والعربية على المعجم البنغالي ثراء ملحوظا، فأغناه بالألفاظ والدلالات. كما وجدت مضامين التاريخ الإسلامي، وسير الأنبياء والرسل، والمواعظ الأخلاقية، والتأملات الروحية طريقها إلى الشعر والنثر البنغاليين. وكان للشعراء والأدباء المسلمين فضل كبير في ترسيخ اللغة البنغالية في البلاط وفي المحافل العلمية والثقافية، مما أسهم في الارتقاء بمكانتها الاجتماعية وتعزيز حضورها في الوعي الحضاري للمجتمع.

أقام الإسلام في البنغال صرحا تعليميا مؤسسيا راسخا، إذ لم تقتصر وظيفة المساجد والمدارس الدينية والخانقاهات على أداء الشعائر، بل تحولت إلى منارات للعلم وفضاءات رحبة للمعرفة. ففي رحابها، إلى جانب علوم القرآن والحديث والفقه، ازدهرت دراسة الحساب والفلك والطب والفلسفة، مما أسهم في إشاعة ثقافة معرفية واسعة داخل المجتمع البنغالي، ومهد السبيل لاحقا لتشكل دعائم التعليم الحديث.

وفي ميدان العمارة والفنون، تجلى الأثر الإسلامي في البنغال بوضوح لافت، حيث تبلورت ملامح مدرسة معمارية إسلامية ذات خصوصية محلية في تشييد المساجد والمدارس والمزارات والجسور. وقد امتزجت في هذه العمارة المواد المحلية والزخارف التقليدية بروح الفن الهندسي الإسلامي، فبرزت زخارف الطين المشوي، وتجلت القباب والمحاريب بوصفها عناصر جمالية مميزة، أضفت على العمارة الإسلامية في البنغال طابعا فريدا. وأسهم هذا النسق الفني في إثراء الحس الجمالي العام، وتعميق الأبعاد الحضارية في الثقافة البنغالية.

أضفى الإسلام على المجتمع البنغالي بعدا أخلاقيا عميقا، فأسهم في تهذيب السلوك، وتقوية الروابط الأسرية، وترسيخ الإحساس بالمسؤولية تجاه الجماعة. ومن خلال تنظيم شؤون الزواج والميراث، وترسيخ قيم العطاء والصدقات، وتشجيع أعمال البر والخدمة الاجتماعية، غرس الإسلام في تفاصيل الحياة اليومية مبادئ العدل والتكافل والتراحم. كما اضطلعت مؤسستا الزكاة والوقف بدور محوري في توسيع آفاق العمل الاجتماعي، فأسهمتا في إقامة شبكة متينة للتكافل، وفرت للفقراء والمستضعفين قدرا من الأمان والاستقرار.

 

وعلى صعيد الحكم والإدارة، ترك الإسلام بصمته الواضحة في تشكيل النظام السياسي في البنغال، حيث تعززت مفاهيم العدل والانضباط الإداري في بنية الدولة. ففي العصرين السلطاني والمغولي، تجلت المبادئ الإسلامية في مجالات التشريع والقضاء وإدارة المال العام، مع الحفاظ في الوقت ذاته على تفاعل خلاق مع الأعراف المحلية والتقاليد الإدارية السائدة. ومن هذا التفاعل نشأ نظام حكم متوازن وفعال، أسهم في إضفاء قدر من الاستقرار والانسجام على الثقافة السياسية في البنغال.

في الحقبة الاستعمارية البريطانية، وجد مسلمو البنغال أنفسهم في مواجهة أزمات سياسية واقتصادية خانقة، غير أن هذه الظروف العسيرة ذاتها كانت مسرحا لبروز متجدد للثقافة الإسلامية. فقد أفضت حركات الإصلاح التعليمي، والمساعي التجديدية، وحالات الصحوة الدينية إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع المسلم، ومنحته أفقا جديدا لتعريف الذات واستعادة الهوية. وفي خضم ذلك، غدت القيم الإسلامية سندا لمقاومة أخلاقية هادئة، تصدت للهيمنة الثقافية التي فرضها الاستعمار البريطاني.

أما في بنغلاديش الحديثة، فإن الإسلام يتجاوز كونه مجرد إطار ديني، ليغدو ركنا أصيلا من أركان الحياة الاجتماعية والثقافية. وتتبدى تجلياته في المناسبات الوطنية، وفي النتاج الأدبي، وفي الخطاب الإعلامي، كما تحضر ملامحه في العادات والطقوس الاجتماعية المختلفة. وفي سياق مجتمع تعددي، يواصل الإسلام أداء دور فاعل في ترسيخ قيم التعايش والتسامح، مؤكدا حضوره المستمر بوصفه رافدا أخلاقيا وثقافيا يسهم في بناء المجتمع وتماسكه.

 

إن الأثر التاريخي للإسلام في صياغة المجتمع البنغالي وثقافته يتجاوز حدود أي مجال منفرد، إذ يتجلى بوصفه مسارا حضاريا شاملا ممتدا عبر الزمن، أعاد تشكيل البنية الاجتماعية، وصاغ الوعي الجمعي، وعمق أنماط التعبير الثقافي. فقد أرسى الإسلام في البنغال دعائم متينة قوامها المساواة والسمو الإنساني، والاحتفاء بالمعرفة، والالتزام بالقيم الأخلاقية. ولا يزال هذا الإرث نابضا بالحياة في وجدان المجتمع البنغالي، يصل الماضي بالحاضر، ويمنح الحاضر بوصلة تسترشد بها خطاه نحو المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *