الرئيسيةمقالاتحين يمرّ الموت.. بقلم: مستشار محمود السنكري
مقالات

حين يمرّ الموت.. بقلم: مستشار محمود السنكري

حين يمرّ الموت.. بقلم: مستشار محمود السنكري

حين يمرّ الموت 

بقلم: مستشار محمود السنكري

حين يمرّ الموت.. لا يطرق الأبواب ولا يعلن قدومه بل يتسلل في صمتٍ مهيب كحقيقةٍ تعرف طريقها جيدًا ولا تخطئ الوصول. 

نحن لا نراه بأعيننا .. لكننا نراه في كل من رحل ولا نسمعه لكن صداه يسكن في كل وداع ومع ذلك نمضي في الحياة كأننا خارج هذا القانون ، نرتب أحلامنا على مهل ونؤجل ما يجب أن يُعجَّل وكأن الزمن يملك رفاهية الانتظار لأجلنا.

ليست المأساة في أن الموت آتٍ فهذه حقيقة لا خلاف عليها بل في هذا الاطمئنان الزائف الذي نعيشه في هذا التسويف الذي نُحسنه أكثر مما نحسن الاستعداد. 

نؤجل التوبة لأن الوقت “ما زال أمامنا” ونؤجل الاعتذار لأن الكبرياء أسبق ونؤجل الصلاح لأننا نظن أن الفرصة ستبقى لكن الحقيقة القاسية أن كثيرين سبقونا وهم يرددون الكلمة نفسها: “لاحقًا”.

وحين تأتي اللحظة لا تأتي كما تخيلناها لا تمنحنا فرصة ترتيب الفوضى ولا مراجعة ما فات ، لحظة فاصلة تنزع الإنسان من كل ما كان يظنه ثابتًا فيقف مجردًا إلا من عمله لا سند إلا ما قدّم ولا مهرب إلا إلى ما صنع.

هناك تسقط كل الأقنعة وتتبخر كل الذرائع ويقف الإنسان أمام ذاته كما هي بلا تزييف ولا إنكار.

قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ليست آية تُتلى فحسب بل حكمٌ نافذ لا يُستثنى منه أحد وعندها يُغلق كتاب الحياة لا ليُمحى بل ليُقرأ كما كُتب حرفا حرفا، الصدمة الحقيقية ليست في الرحيل بل في أن نصل إلى تلك اللحظة ونحن نحمل ما كنا نظن أنه سيُنسى.

وكم هو موجع أن يستيقظ الندم حين لا ينفع أن تتمنى العودة ولو للحظة واحدة لتُصلح ما أفسدت أو لتفعل ما قصّرت فيه لكن الأبواب تكون قد أُغلقت. 

قال الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ نداءٌ متأخر لا يغيّر المصير ولا يعيد الزمن.

نحن لا نخاف الموت كما نظن بل نخاف مواجهته بحقيقة أنفسنا ، نخاف أن نُفاجأ به ونحن في غفلة أو أن تكون خاتمتنا على غير ما تمنينا ، نخاف أن تُكشف أشياء أخفيناها وأن يُحسب علينا ما استهنّا به. 

قال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ فلا مكان يحمينا ولا وقت نؤجله.

وما بين بدايةٍ لا نذكرها ونهايةٍ لا نعلم موعدها نمضي في طريقٍ ينقص مع كل خطوة كل يومٍ يمر ليس مجرد وقتٍ يُستهلك بل جزءٌ منا يُطوى دون رجعة ، نرى الموت حولنا في جنازةٍ هنا وقبرٍ هناك ثم نعود إلى انشغالنا كأن الرسالة لم تكن لنا.

قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ميزانٌ دقيق لا يغفل وعدلٌ لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فلا تغترّ بعافية زائلة ولا بدنيا لا تستقر فكم من حاضرٍ اليوم غائبٌ غدًا وكم من ضاحكٍ بالأمس أصبح أثرًا.

وهنا يبقى السؤال الذي يهرب منه كثيرون: لو انتهت الحكاية الآن ماذا يبقى منك؟ 

ليس ما جمعت بل ما أعطيت ليس ما أخفيت بل ما سيظهر.. تلك هي الحقيقة التي نؤجل مواجهتها وتلك هي اللحظة التي لا تُؤجَّل.

فانتبه قبل أن يُنتبه لك وراجع نفسك قبل أن تُعرض ولا تجعل الغفلة طريقك إلى نهايةٍ لم تستعد لها. 

اللهم لا تجعلنا من الغافلين ولا تأخذنا إلا وقد رضيت عنا ولا تجعلنا ممن أدركوا الحقيقة حين لم يعد في الوقت متسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *