الرئيسيةمنوعات.انتدابات بلا منطق: حين تتحول السلطة التقديرية إلى مخالفة صريحة للقانون داخل القطاع الصحي
منوعات

.انتدابات بلا منطق: حين تتحول السلطة التقديرية إلى مخالفة صريحة للقانون داخل القطاع الصحي

إنجي علام تكتب

..انتدابات بلا منطق: حين تتحول السلطة التقديرية إلى مخالفة صريحة للقانون داخل القطاع الصحي

 

تساؤلات حول مدى الالتزام بقانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية… وأثر الانتدابات المتكررة على الكفاءة والعدالة الوظيفية

 

في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن تطوير المنظومة الصحية، ورفع كفاءة العاملين، وتحقيق العدالة الوظيفية، تتكرر على أرض الواقع ممارسات إدارية تثير الكثير من التساؤلات، بل وتكشف عن خلل واضح في آليات اتخاذ القرار داخل بعض الإدارات الصحية.

واحدة من أبرز هذه الممارسات هي ما يُعرف بـ”الانتدابات المتكررة”، التي تحولت من وسيلة تنظيم إداري مؤقت إلى أداة ضغط دائمة، تُستخدم بشكل شبه روتيني، دون مراجعة حقيقية أو تقييم موضوعي لمدى الحاجة إليها.

السؤال الأهم هنا: كيف يتم انتداب موظف من مكان عمله، بينما هذا المكان نفسه يعاني من عجز ويُقال إنه “في حاجة إليه”؟

وإذا كان المكان في حاجة فعلية لهذا الموظف،

فلماذا يتم إبعاده؟

وإذا لم يكن في حاجة إليه،

فلماذا يتم رفض طلبات تثبيت أو تجديد الانتداب لمن أثبت كفاءة في مكانه الجديد؟

هذا التناقض ليس مجرد خطأ إداري بسيط، بل هو مخالفة صريحة للقواعد واللوائح المنظمة للعمل الإداري والفني داخل القطاع الصحي، والتي تنص في جوهرها على أن:

الانتداب يكون لحاجة فعلية ومؤقتة.

ويُراعى فيه مصلحة العمل أولًا.

مع الحفاظ على الاستقرار الوظيفي وعدم الإضرار بالموظف.

ووفقًا لقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 (المادة 32):

“يجوز بقرار من السلطة المختصة ندب الموظف للقيام مؤقتًا بعمل وظيفة أخرى…”

بما يؤكد أن الندب إجراء مؤقت ومشروط بضرورة حقيقية.

كما تؤكد اللائحة التنفيذية للقانون على:

تحقيق مصلحة العمل الفعلية

عدم الإضرار بالجهة الأصلية

عدم استخدام الندب كأداة ضغط أو عقاب

لكن ما يحدث على أرض الواقع مختلف تمامًا.

انتدابات تُصدر سنويًا…

بل أحيانًا بشكل متكرر دون فواصل حقيقية…

دون الرجوع إلى جهة العمل الأصلية بشكل فعلي…

ودون وجود معايير واضحة أو شفافة.

بل إن الأخطر، أن بعض الحالات تكشف عن نمط متكرر:

موظف يُجبر على ترك مكان أتقن فيه عمله.

يتم استبداله بموظف من تخصص مختلف تمامًا.

ويُعاد “تعليم” العمل من الصفر…

وهو ما يخالف مبدأ إسناد العمل لذوي التخصص والخبرة داخل القطاع الصحي،

نظرًا لحساسية المهام الفنية وتأثيرها المباشر على جودة الخدمة.

في منظومة يفترض أنها تبحث عن الكفاءة، لا عن إعادة اختراع العجلة كل يوم.

هل هذه إدارة ناجحة؟

هل النجاح أن نأخذ موظفًا أصبح خبيرًا في عمله، وننقله لمكان جديد ليبدأ من الصفر؟

وهل من المنطقي أن تُدار منظومة حيوية كالصحة بهذا الشكل المتقلب؟

الأمر لا يتوقف عند حدود الكفاءة فقط، بل يمتد إلى العدالة الاجتماعية.

اللافت أن المتضرر الأكبر من هذه الانتدابات هم: السيدات… الأمهات… المعيلات.

ساعات سفر يومية قد تتجاوز 3 و4 ساعات…

أطفال بلا رعاية…

ضغوط نفسية مستمرة…

وهو ما يتعارض مع مبادئ الدستور المصري في تكافؤ الفرص وعدم التمييز ومراعاة البعد الاجتماعي.

وفي المقابل، هناك حالات لا يتم المساس بها مطلقًا،

مما يفتح الباب لتساؤلات مشروعة حول: هل تُدار هذه القرارات وفق احتياجات العمل؟

أم وفق اعتبارات أخرى مثل الوساطة أو العلاقات؟

بل وتظهر مفارقة أخرى أكثر تعقيدًا:

أماكن يُقال إنها “تحتاج” موظفين…

ثم ترفض تجديد انتداب من يعمل بها بالفعل بكفاءة.

وأماكن يتم “تفريغها” من كوادرها…

رغم أنها تعتمد عليهم بشكل أساسي.

وهو ما قد يندرج تحت الانحراف في استعمال السلطة إداريًا.

فأي منطق إداري يحكم هذا المشهد؟

وأين دور المتابعة والرقابة؟

كيف تستمر هذه الدوامة لأكثر من أربع أو خمس سنوات،

دون تدخل واضح من جهات رقابية ميدانية؟

وأين اللجان التي يفترض أن تراجع وتقيّم وتوقف هذا النزيف الإداري؟

الحقيقة المؤلمة أن ما يحدث لا يضر فقط بالموظف،

بل يضر بالمنظومة كلها.

لأن الاستقرار الوظيفي ليس رفاهية…

بل هو شرط أساسي لنجاح أي مؤسسة.

والموظف الذي يُنقل باستمرار:

لن يصل لمرحلة الإتقان.

ولن يشعر بالانتماء.

ولن يقدم أفضل ما لديه.

وفي قطاع حساس كالصحة،

هذا ليس مجرد خلل إداري…

بل خطر حقيقي على جودة الخدمة المقدمة للمواطن.

السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن: هل نريد منظومة تعمل بالكفاءة والاستقرار؟

أم بمنطق النقل العشوائي والتجارب المستمرة؟

الإجابة لا تحتاج تقارير…

بل تحتاج فقط إلى قرار واضح:

إعادة ضبط قواعد الانتداب… وتفعيل الرقابة… وتحقيق العدالة.

لأن الموظف ليس رقمًا…

بل هو أساس المنظومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *