مع الصائمين
الحلقة الثانية والعشرون
غزوة بدر الكبرى
الجزء الرابع عشر
جنود الرحمن في يوم الفرقان
بقلم محمود فوزي الموجي
٨ – جندي البركة (فعل ضعيف يحقق نتيجة هائلة )
أخذ الرسول في يوم بدر حفنة من حصباء من التراب، فاستقبل بها قريشاً ورماها في وجوههم وقال: (شاهت الوجوه)، فما من أحد من المشركين إلا أصاب عينه ومنخريه وفمه من تلك القبضة، والحديث في صحيح مسلم، وفي ذلك أنزل الله عز وجل: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى(الأنفال:١٧
الرسول صلى الله عليه وسلم رمى: (إِذْ رَمَيْتَ)، ولكن لو رمى بالتراب وجوههم ألف مرة فلن يصيب عيون الكافرين جميعاً إلا إذا أراد الله عز وجل للتراب أن يصيبهم، وفعل الرمي هذا لا يؤدي في المعتاد إلى النتيجة الضخمة التي حدثت؛ لذلك ينفي ربنا سبحانه وتعالى الرمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنه هو الذي أخذ التراب ورماه، لكن الذي أخذه إلى مرماه الحقيقي هو الله عز وجل.
أيضاً في قصة قتل أبي جهل فرعون هذه الأمة وقائد المشركين، وهو واحد من أبرز فرسان المشركين، وأكثر المشركين جرأة على المسلمين وأمنعهم، كان محاطاً بفرقة عسكرية قوية لحمايته، ومع ذلك قتل بطريقة عجيبة، فلو قتله فارس محترف من فرسان المسلمين، مثل الزبير بن العوام، أو علي بن أبي طالب، أو طلحة بن عبيد الله لكان هذا أمراً مفهوماً عندنا، لكن قتله تم بطريقة عظيمة، وليس لها إلا تفسير واحد: هو جندي البركة، وذلك أن الله عز وجل بارك في فعل ضعيف؛ ليحقق نتيجة هائلة قوية ألا تحدث هذه النتيجة، تعالوا نسمع القصة التي يحكيها عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه في قتل أبي جهل، والقصة في البخاري.
يقول: إني لفي الصف يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن عن يمينه وشماله طفلان: معاذ بن عمرو بن الجموح وعمره ثلاث عشرة سنة، ومعوذ بن عفراء عمره أربع عشرة سنة، يقول عبد الرحمن بن عوف: فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سراً من صاحبه: أي عم! أرني أبا جهل فقلت: يا ابن أخي! فما تصنع به؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده! لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده -لن يفارق ظلي ظله- حتى يموت الأعجل منا.
يا الله! هذا الكلام يخرج من طفل عمره ثلاث عشر سنة أو أربع عشرة سنة، ولا يريد قتل أي واحد حصين في الجيش الكافر، بل يريد قتل زعيم الجيش الكافر المحمي بكتيبة عسكرية، فهذا الكلام عجيب ، حتى قال عبد الرحمن بن عوف: فتعجبت لذلك، ثم قال: وغمزني الآخر فقال لي مثل هذا، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه.
يقول معاذ بن عمرو بن الجموح رضي الله عنهما : سمعت القوم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه؛ لأنها أهم شخصية في الجيش المكي، يقول معاذ: فلما سمعته جعلته من شأني فصمت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطمت قدمه بنصف ساقه الله أكبر! ضربة من سيف معاذ أطارت ساق أبي جهل! ليس من الطبيعي أبداً أن معاذاً يفكر في قتل أبي جهل، وليس من الطبيعي أن معاذاً يقدر على الوصول إلى أبي جهل وهو داخل كتيبة عسكرية قوية تحميه، وليس من الطبيعي أن أبا جهل لا يستطيع أن يرد ضربة معاذ، وليس من الطبيعي أن ضربة معاذ تطير ساق أبي جهل هكذا بلحمها وعظمها، بل من الصعب بتر ساق بضربة واحدة، هذا يحتاج إلى فارس محترف متمكن مفتول العضلات، فصعب جداً أن نفهم أن هذا الأمر يأتي من طفل عمره ثلاث عشرة أو أربع عشر سنة، لكن هذا حصل جاء معوذ بن عفراء الطفل الثاني الذي كان ينافسه على قتل أبي جهل وضرب أبا جهل ضربة أثبتته. انتهى، ولم يبق فيه إلا رمق بسيط جداً من الحياة، ثم جاء عبد الله بن مسعود فنحره .
٩ – الرؤى والأحلام
الرؤى يراها أهل الحق فتبشرهم، ويراها أهل الباطل فتحبطهم ، وهذا الكلام له شواهد كثيرة في التاريخ، سواء في السيرة أو في الفتوح الإسلامية أو في كل المعارك التي مرت بأمتنا.
تعالوا بنا نتكلم في غزوة بدر في البداية عن رؤيا لبعض الكافرين، والرؤيا قد تصيب الإنسان بالكآبة والحزن والإحساس بالفشل، وتوقع الهزيمة في نفسه، فيكون لها رد فعل سيئ جداً على نفسية المحارب.
هذا جهيم بن الصلت بن المطلب من عائلة الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن كان مشركاً، رأى أن رجلاً أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال : قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف، وعد رجالاً ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، وانتشرت الرؤيا في مكة، وكان ذلك قبل الخروج إلى بدر، ولما سمع أبو جهل هذه الرؤيا جن جنونه، وقال: هذا أيضاً نبي من بني عبد المطلب، سيعلم غداً من المقتول إن نحن التقينا.
و رأت عاتكة بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكانت مشركة في ذلك الوقت، قبل أحداث بدر رؤيا خوفتها، فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب عم الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لتحكي له الرؤيا، وكان العباس مشركاً في ذلك الوقت، فقالت له: يا أخي! والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة. فتكتم علي ما أحدثك؟ قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، يعني يدعو آل قريش للخروج إلى المصارع في ثلاثة أيام.
قالت: ثم كرر هذا النداء في مناطق مختلفة حول الكعبة، ومن على جبل أبي قبيس، ثم أرسل صخرة فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارتضت -أي: تفتتت- فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلته منها فلقة، قال العباس: والله إن هذه لرؤيا، فلا تذكريها لأحد، ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة، وكان صاحبه، فذكر العباس له الرؤيا وقال له: لا تذكرها لأحد، فأخبر الوليد بن عتبة أباه عتبة بن ربيعة بالرؤيا وقال له: لا تقل لأحد، وهكذا انتشر الأمر في قريش، حتى وصل إلى أبي جهل وكان العباس في ذلك اليوم ذاهباً ليطوف بالبيت الحرام، فلقيه أبو جهل مع المشركين، فقال له أبو جهل: يا بني عبد المطلب! متى حدثت فيكم هذه النبية؟ فأراد العباس أن ينكر فقال له: وما ذاك؟ قال أبو جهل: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة! قال العباس: وما رأت؟ قال أبو جهل: يا بني عبد المطلب! أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا إلى مصارعكم في ثلاث، فسنتربص بكم يا بني عبد المطلب! هذه الثلاث، فإن يك حقاً ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء؛ نكتب عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب، وكانت هذه فرصة لـ أبي جهل ليشمت في بني عبد المطلب؛ فإن الصراع طويل جداً بين بني مخزوم -قبيلة أبي جهل – وبين بني هاشم قبيلة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسبحان الله! مر يومان، وفي اليوم الثالث وأبو جهل يستعد للشماتة في بني عبد المطلب جاء ضمضم بن عمرو الغفاري الذي بعثه أبو سفيان وهو يصرخ: يا معشر قريش! اللطيمة! اللطيمة! أموالكم قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، فنفر كل أهل قريش، وتحققت رؤيا عاتكة.
وراجعوا التاريخ فإنكم ستجدون كسرى رأى رؤيا قبل القادسية، كذلك رستم قائد الفرس، كان لها أكبر الأثر على الفرس، كذلك رأى هرقل، ورأى قائد الجيش الروماني في اليرموك، والكلام كثير جداً في هذا الموضوع ومتكرر.
وعلى الجانب الآخر جيش المؤمنين في ليلة بدر، رأى الرسول صلى الله عليه وسلم رؤيا في منامه، أن الكفار أقل من العدد الذي أحصوه قبل ذلك، وذكر ذلك للصحابة فاستبشروا كثيراً، وثبتتهم هذه الرؤيا، قال سبحانه وتعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً )
يتبع ……..

