الرئيسيةمقالاتالقضايا التي يُسكَت عنها: التحرش الجنسي بالأطفال
مقالات

القضايا التي يُسكَت عنها: التحرش الجنسي بالأطفال

القضايا التي يُسكَت عنها: التحرش الجنسي بالأطفال

 

بقلم: الباحثة سلمي الفلاح

 

هناك قضايا في الحياة لا يليق بها الصمت…

وقضية التحرش بالأطفال واحدة من أكثرها ألمًا.

كلما اقتربتُ منها في القراءة والبحث، شعرت أنني لا أقرأ كلمات على الورق، بل أسمع بكاء طفولةٍ خُذلت، وأرى وجوهًا صغيرة تحاول أن تفهم لماذا حدث لها ما حدث.

فالطفل لا يعرف الشر كما يعرفه الكبار، ولا يفهم الخيانة عندما تأتي من شخص ظنه آمنًا.

 

لقد شغلتني هذه القضية كثيرًا، ليس فقط كباحثة، بل كإنسانة يؤلمها أن ترى طفلًا تُسلب منه براءته قبل أن يفهم معنى الحياة.

وخلال اطلاعي على بعض قضايا محكمة الطفل، أدركت أن خلف كل ملف قضية ليس مجرد حادثة… بل قلب صغير ارتجف خوفًا، ودموع طفل لم يجد من يسمعه أو يفهمه.

التحرش بالأطفال جريمة موجعة؛ لأنها لا تصيب الجسد فقط، بل تمس الروح في أعمق مكان فيها.

 

الطفل بطبيعته يثق بالكبار، يمد لهم يده ببراءة، ويظن أن العالم آمن. لكن حين يخونه أحد الكبار، ينكسر شيء داخله… شيء قد يبقى مكسورًا طويلًا إن لم يجد من يضمده بالوعي والاحتواء.

التحرش ليس شكلًا واحدًا كما يظن البعض.

فقد يبدأ بكلمة غير لائقة، أو نظرة، أو لمس غير بريء، أو استدراج بهدية أو لعبة. وأحيانًا يحدث بالعنف، وهو أشد قسوة، لأن الطفل لا يفهم ما يحدث لكنه يشعر بالخوف الشديد وكأن العالم كله يطبق عليه.

 

الطفل في تلك اللحظات قد يصمت، لا لأنه لا يتألم، بل لأنه لا يعرف كيف يشرح الألم.

بعض الأطفال ينسحبون إلى داخلهم ويصبحون صامتين، وبعضهم يظهر عليهم الغضب أو الخوف أو التغير المفاجئ في السلوك. هذه ليست تصرفات سيئة كما يظن البعض، بل هي لغة الألم التي يحاول الطفل أن يقول بها: أنا خائف… أنا مجروح.

وقد يتساءل البعض: هل يختلف الألم بين البنت والولد؟

الحقيقة أن الجرح واحد. لكن المجتمع أحيانًا لا يتخيل أن الولد قد يكون ضحية، فيصمت أكثر، ويخفي جرحه أكثر، فيكبر الألم معه دون أن يجد من يفهمه.

 

ومع مرور الوقت، قد تظهر على الطفل آثار نفسية عميقة إن لم يجد الدعم والعلاج.

فبعض الأطفال يعانون من القلق الشديد والخوف الدائم، وبعضهم يصابون بالاكتئاب أو الانطواء، وقد تظهر عليهم كوابيس واضطرابات في النوم. وهناك من يفقد الثقة بالناس ويشعر بالخجل أو الذنب رغم أنه الضحية.

 

وأحيانًا قد تتطور الصدمة إلى اضطرابات نفسية مثل الخوف المرضي، أو الوسواس القهري، أو اضطراب الصدمة النفسية الذي يجعل الطفل يعيش الذكرى المؤلمة وكأنها تتكرر داخله. وبعضهم يعاني لاحقًا من صعوبة بناء العلاقات أو الشعور بالأمان.

لكن الحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع هي أن العلاج ممكن.

فالطفل إذا وجد الاحتواء الأسري، والدعم النفسي، والعلاج المتخصص، يمكن أن يستعيد توازنه ويشفى تدريجيًا من الصدمة.

 

العلاج النفسي القائم على الحوار والاحتواء، وإشعار الطفل بالأمان، وإبعاده عن الشعور بالذنب، يساعد كثيرًا في إعادة بناء ثقته بنفسه وبالعالم.

وأثناء بحثي في هذه القضية، وقفت كثيرًا عند قصة طفل هزت قلبي.

طفل صغير تعرّض لاعتداء قاسٍ جعله يعيش لحظات خوف لا يمكن لطفل أن يحتملها.رايت إن جسده تجمّد من شدة الصدمة، وكأن الطفل عاد في لحظة إلى حالة خوف بدائية، يلتف على نفسه وكأنه يبحث عن رحم آمن يختبئ فيه من العالم. لم يكن يبكي فقط… كان جسده كله يصرخ بالخوف.

حين رأيت هذه الحالة شعرت أن الكلمات تضيق عن وصف الألم.

تخيلت طفلًا صغيرًا كان يجب أن يكون في تلك اللحظة يلعب أو يضحك… لكنه بدلًا من ذلك كان يعيش خوفًا لا يجب لأي طفل أن يعيشه.

تلك اللحظات هي التي جعلتني أزداد يقينًا أن هذه القضية ليست مجرد موضوع بحث، بل جرح إنساني يحتاج إلى وعي ورحمة.

 

ومن الحقائق المؤلمة التي تكشفها الدراسات أن بعض المعتدين أنفسهم كانوا يومًا ضحايا في طفولتهم.

ليس دائمًا، لكنه يحدث. فالطفل الذي تعرض للأذى ولم يجد علاجًا أو احتواءً قد يكبر والجرح داخله لم يلتئم.

وكأن الطفل الجريح بداخله لم يهدأ… بل تحوّل مع الزمن إلى انتقام أعمى من العالم.

 

وهنا يجب أن نوضح أمرًا مهمًا:

المتحرش قد يكون متزوجًا، وقد يكون لديه أطفال، وقد يبدو للناس شخصًا طبيعيًا. فالجريمة لا ترتبط بالظاهر، بل بجرح نفسي عميق أو اضطراب لم يُعالج.

 

فهم هذه الحقيقة لا يعني تبرير الجريمة، بل يساعدنا على فهم أن العلاج والوعي والعقاب القانوني جميعها ضرورية لحماية الأطفال ومنع تكرار الأذى.

لقد شعرت وأنا أكتب عن هذه القضية أنني لا أكتب بحثًا فقط، بل أكتب حزنًا حقيقيًا.

حزنًا على كل طفل بكى ولم يسمعه أحد.

على كل طفل خاف ولم يجد من يصدقه.

على كل طفل ظنّ أن الخطأ خطؤه، وهو في الحقيقة بريء تمامًا.

 

الطفولة أمانة…

 

ليست كلمة جميلة نرددها، بل مسؤولية كبيرة.

والطفل يحتاج منا ثلاثة أشياء بسيطة لكنها عظيمة:

أن نسمعه…

أن نصدقه…

وأن نحميه.

رسالة إلى كل أم

يا أمي…

اقتربي من طفلك أكثر.

استمعي له حتى عندما يتكلم بكلمات صغيرة أو غير واضحة. علميه أن جسده له حرمة، وأنه يستطيع أن يقول “لا” لأي شيء يزعجه.

كوني له صديقة قبل أن تكوني رقيبة، وملجأ قبل أن تكوني محاسِبة.

فالطفل إذا شعر بالأمان مع أمه، سيخبرها بكل شيء… حتى الأشياء التي يخاف منها.

راقبي التغيرات في سلوكه، في نومه، في صمته.

فالأطفال أحيانًا لا يستطيعون أن يرووا ما حدث، لكن حزنهم يرويه عنهم.

وأقولها من قلبي:

حماية الأطفال لا تبدأ بالقوانين فقط، بل تبدأ بالوعي والرحمة.

لقد كان هذا المقال جزءًا من بحثي الثاني في قضايا محكمة الطفل، وهو محاولة لفتح باب الحديث عن قضية لا يجب أن تبقى في الظل.

فالسكوت لا يحمي الأطفال…

بل يحمي الجريمة.

 

الباحثة: سلمي الفلاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *