مع الصائمين
غزوة بدر الكبرى
الجزء الرابع
بقلم/ محمود فوزي الموجي
قرر جيش مكة الخروج و خاف أمية ابن خلف أن يخرج معهم ؛ لأنه يعرف أن كلام رسول الله ﷺ صدق، فأتاه أبو جهل فقال : يا أبا صفوان ! إنك متى ما يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك. حاول أن ينافقه قليلاً، لكن أمية قال له : هذا ليس مزحاً سأموت، فأرسل إليه أبو جهل عقبة بن أبي معيط ، وكان شيطانا مجرما ، فقد ذهب وأحضر لـأمية بن خلف طيباً خاصاً بالنساء، فوضعه بين يديه وقال له: تطيب. إنما أنت من النساء، فقال أمية : قبحك الله! فاستحى أن يكون جميع الرجال قد خرجوا وهو قاعد، فقرر أمية بن خلف أن يخرج وينفذ خطة كي يرجع ، وقرر أن يشتري أجود بعير في مكة ليقوم بالهروب إن سنحت له فرصة، ورجع إلى البيت وتجهز للخروج فقالت له أم صفوان : أوقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال : لا، ما أريد أن أجوز معهم إلا قريباً ، وفي أثناء الطريق قرر أمية الرجوع أكثر من مرة، لكن أبا جهل كان يأتيه ويكمل الطريق معه حتى وصلوا بدراً، وكان مصيره مثلما أخبر رسول الله ﷺ
قال تعالى): إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا ) الطارق:15-16 سبحان الله! رأس الباطل أبو جهل هو الذي يدفع جنده إلى الهلكة، انظروا ماذا يقول الله سبحانه وتعالى:( اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)
فاطر:43.
خرج جيش مكة، وفي الطريق وقبل أن يصلوا إلى بدر وصلتهم رسالة أخرى من أبي سفيان( بعد أن غير اتجاه القافلة غربا وافلت بها )يقول فيها : إنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها الله فارجعوا ، وكان أبو سفيان يرى أنه لا داعي للدخول في صدام دون إعداد جيد مسبق،
وجدت هذه الرسالة هوى في قلب أمية بن خلف وغيره، فأراد الجميع الرجوع، لكن أبا جهل قام لهم، وأخذ يدفعهم دفعاً، كما دفع فرعون جنده للدخول في البحر خلف موسى عليه السلام.
قال أبو جهل للجيش: والله لا نرجع حتى نرد بدراً، فنقيم بها ثلاثاً، فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبداً. فكل الذي في رأسه ذكر الناس لهم، والله سبحانه وتعالى ذكر ذلك في كتابه الكريم، قال تعالى 🙁 وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) الأنفال:47
وبرغم إصرار أبي جهل إلا أن مجموعة من المشركين انشقت عن الصف ورفضت إكمال الطريق ، هذه المجموعة كان يقودها الأخنس بن شريق ، وأخذ معه بني زهرة بالكامل وكان تعدادهم 300 مقاتل، وعاد بهم إلى مكة.
إن هذه الانقسامات داخل حزب الباطل هي نصر كبير للمؤمنين، فالجيش المكي أصبح ألف مقاتل وأكمل الطريق حتى نزل قريباً من بدر عند مكان يعرف بالعدوة القصوى على حدود وادي بدر .
**ملامح وصفات الجيش المنتصر
1- تحقيق مبدأ الشورى بين أفراد الجيش المؤمن
نقلت الاستخبارات الإسلامية خبرين في منتهى الأهمية:
الخبر الأول: هروب القافلة، الخبر الثاني: جيش مكة على مقربة من بدر، فالوضع خطير جداً، وإعداد المسلمين كان قوياً جداً بالنسبة لقافلة تجارية، لكن لاشك أنه ضعيف جداً بالنسبة لجيش نظامي خرج مستعداً للقتال، فلا يوجد سوى اختيار من اثنين: إما الرجوع إلى المدينة وتجنب القتال، وإما التقدم إلى بدر والصدام مع جيش مجهز ويوفقهم ثلاثة أضعاف .
إن كل صفات الجيش المنتصر تجمعت في جيش بدر، وأي جيل مسلم يريد أن ينتصر لا بد أن يعرف جيدا صفات جيل بدر ويتفهمجيدا سورة الأنفال التي تحدثت عن غزوة بدر، ولم يكن امام الرسول ﷺ سوى : الرجوع أو القتال.
كان النبي ﷺ يريد القتال؛ لأن الرجوع له آثار سلبية كبيرة، فهو سيهز جداً كيان المسلمين، وسيضيع مكاسب سرية نخلة، وسيشجع الكفار على التمادي في الحرب على المسلمين، فكلما رجع المسلم خطوة احتلها عدوه، ولا يستبعد مطلقاً إذا رجع الجيش المسلم أن يستمر الجيش المكي في المسير ويغزو المدينة، وعندئذ سيكون الخطر أكبر، لكن الرسول ﷺ ليس قائداً ديكتاتورياً كـأبي جهل .
فكل تحركاته ﷺ كانت بالشورى، لما خرج من المدينة للقافلة خرج بالشورى، ولما قرر أن يحارب لم يحارب إلا بشورى، وسنرى للشورى مواضع كثيرة بعد ذلك في بدر. قال تعالى:( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) آل عمران:159
عقد الرسول ﷺ مجلساً استشارياً كبيراً تبادل فيه الرأي ليس فقط مع قادة الجيش ولكن مع عامة الجيش، فقام المستشار الأول لرسول الله ﷺ أبو بكر الصديق وأيد الحرب ضد الكافرين، وكذلك قام المستشار الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال نفس الكلام، ثم قام المقداد بن عمرو رضي الله عنه وأرضاه وقال كلاماً رائعاً علق عليه عبد الله بن مسعود . قال: شهدت من المقداد بن عمرو مشهداً لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، قال: (يا رسول الله! امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إن ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك حتى نبلغه).
سر الرسول سروراً عظيماً بكلام المقداد ، ولكن ما زال يطلب الاستشارة ويقول: أشيروا علي أيها الناس! أشيروا علي أيها الناس! ، وقد كان الرسول ﷺ في مواقف كثيرة يكتفي باستشارة أبي بكر وعمر ، ويقول: لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما، لكن هنا ما زال ينتظر استشارة الأنصار، فإنه لم يسمع رأي الأنصار بعد، فالأنصار قبل ذلك في المدينة أعلنوا موافقتهم على الخروج معه للقافلة، لكن الآن ليس هناك قافلة، وإنما قتال مع جيش كبير، والرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أنه لو أمر الأنصار لأطاعوه فوراً، فهم في أعلى درجات الإيمان رضي الله عنهم أجمعين.
لكن الرسول ﷺ يذكر بيعة العقبة الثانية، وفيها بايع الأنصار على نصرة الرسول ﷺ إذا قدم إليهم في المدينة، ولم يبايعوه على الحرب خارج المدينة، والأمر ليس فيه تكليف إلهي الآن فيسمع الجميع ويطيع، ولكن فيه الشورى، والرسول ﷺ لا يريد أن يكره الأنصار على القتال، فشتان بين من يقاتل وهو مكره، ومن يقاتل وهو راغب في الجهاد، ولا ننسى أن الأنصار ثلثا جيش المسلمين، فهذا الطلب المتكرر للاستشارة: (أشيروا علي أيها الناس! أشيروا علي أيها الناس!)، لفت نظر سيد الأنصار سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، وكان حامل لواء الأنصار حينها، فقام وقال: (لكأنك تريدنا يا رسول الله؟! قال رسول الله ﷺ وسلم: أجل، فقال سعد رضي الله عنه كلمات نيرات تهز القلوب 🙁 فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله! لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إننا لصبر في الحرب، صدق عنداللقاء، ولعل الله عز وجل يريك منا ما تقر به عينك. فسر على بركة الله، ثم قال : لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها ألا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فينا من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ برك الغماد لنسيرن معك، ووالله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك).
هؤلاء هم الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق . ولما سمع الرسول ﷺ هذا الكلام تحرك في منتهى النشاط وقال للناس في حماسة : (سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، ووالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم)، وفي رواية مسلم عن عمر بن الخطاب قال: (أنه مر مع المسلمين على أرض بدر ليلة المعركة وعرفهم أين يموت كل طاغية من طواغيت مكة كان يقول: هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله، فما أخطأ رجل الموضع الذي حدده ﷺ.
يتبع

