الرئيسيةثقافةمع الصائمين الحلقة الرابعة
ثقافة

مع الصائمين الحلقة الرابعة

مع الصائمين

الحلقة الرابعة

٤ / إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ

بقلم: محمود فوزي الموجي

﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾ البقرة: 121
4/ آداب التلاوة وتعظيم كتاب الله
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (الواقعة: 77-79
إن الكلام يعظُم بعِظَمِ قائله، فكيف إذا كان المتكلم هو الله جل في علاه ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ الحج: 32بحُسن تلاوته ، وتصديق اخباره، وامتثال اوامره، واجتناب نواهيه . بإقامة حروفه وحدوده، وتعظيم شأنه، والسَّير على منهاجه﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ ص: 29
والقرآن الكريم هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، عظيم عند الله، وهو في اللوح المحفوظ؛ ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ الزخرف: 4
قال ابن كثير في معنى الآية: “بيَّن شرفه في الملأ الأعلى ليشرِّفه ويُعظِّمه ويُطيعه أهلُ الأرض”.
وإن تعظيم كلام الله تعظيمٌ لله؛ قال النووي رحمه الله: “أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق، وتنزيهه وصيانته”.
قال القاضي عياض رحمه الله: “من استخفَّ بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه، فهو كافر بإجماع المسلمين”.
قال الإمام الغزالي رحمه الله، آداب التلاوة
الأول : التعظيم للمتكلم، فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم، ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر.
الثاني: حضور القلب، وترك حديث النفس، وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية.
الثالث: التدبُّر، فالمقصود من القراءة التدبُّر،…وإذا لم يتمكَّن من التدبُّر إلا بترديد فليُردِّد.
الرابع: التخلِّي عن موانع الفهم، فإن أكثر الناس مُنِعوا مِن تفهُّم معاني القرآن لأسباب وحُجُب أسدَلها الشيطان على قلوبهم…منها: أن يكون مُصِرًّا على ذنب، أو مُتَّصِفًا بكِبْر، أو مُبْتلًى في الجملة بهوى الدنيا مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه….وهو أعظم حجاب للقلب، وبه حجب الأكثرون .
الخامس: أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن، فإن سمع أمرًا أو نهيًا، قدَّر أنه المنهي والمأمور، وإن سمع وَعْدًا أو وعيدًا فكمثل ذلك.
السادس: أن يتأثَّر قلبُه، قال وهيب بن الورد: نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ، فلم نجد شيئًا أرقَّ للقلوب…من قراءة القرآن وتفهُّمِه وتدبُّرِه.
تسن القراءة في مكان نظيف و أفضله المساجد ، ويسن أن يجلس مستقبلا القبلة متخشعا بسكينة ووقار ، مطرقا رأسه
ويسن أن يستاك تعظيما و تطهيرا والتعوذ قبل القراءة. و أن يحافظ على قراءة البسملة أول كل سورة ، غير براءة. كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم (ألَّا يَمَسَّ القرآن إلا طاهرٌ). روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((لولا أن أشُقَّ على أُمَّتي – أو على الناس – لَأمرتُهم بالسِّواك مع كل صلاة))، وظاهر هذا أنه كان يفعل هذا للصلاة وقراءة القرآن.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحدٍ يسأل إذا أراد دفن الميت: (أيهم أكثر قرآنًا؟) فيُقدِّمه جهة القِبلة 0ويستحب البكاء عند قراءة القرآن و التباكي لمن لا يقدر عليه، والحزن والخشوع.
ويسن السجود عند قراءة آية السجدة وهي أربع عشر سجدة. ويسن التكبير من الضحى إلى آخر القرآن و هي قراءة المكيين ويكره أن يقول نسيت آية كذا بل أنسيتها. ويسن الاستماع لقراءة القرآن و ترك اللغط و الحديث بحضور القراءة . ويسن صوم يوم الختم ، وأن يحضر أهله وأصدقائه ، و يدعو لأن الرحمة تتنزل في ذلك الوقت كما جاء عن أنس – رضى الله عنه – ومجاهد رحمه الله.
و كان من هَدْيِ السلف تلاوةُ وِرْدٍ يوميٍّ من كتاب الله تعالى، يقرؤه يوميًّا، ويتعاهد عليه ليختم القرآن في كل شهر، أو أقل من ذلك.
فقد ثبت ُأُن ابن مسعود وعثمان وتميمٍ الداريِّ، وجمعٍ من أئمة التابعين، أنهم كانوا يختِمون القرآن في سبعة أيام.
وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((اقرأ القرآن في كل شهر قلت: يا نبي الله، إني أُطيق أفضل من ذلك، قال: فاقْرَأْه في سَبْعٍ، ولا تَزِدْ عن ذلك)).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((من نام عن حِزْبِهِ أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل))رواه مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم” المستدرك. هو الكتاب المبين، الذي ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ فصلت: 42
الإمام مالك بن أنس؛ الذي لا تنقطع دروسه في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يوقفها في رمضان؛ لأنه ينشغل بشهر القرآن، الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى إذا دخل رمضان يفرُّ من الحديث، ومن مجالسة أهل العلم، ويُقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
وكان سفيان الثوري رحمه الله إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات، وأقبل على قراءة القرآن.
وكان محمد بن إسماعيل البخاري – صاحب الصحيح – يختم في رمضان في النهار كلَّ يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كلَّ ثلاثَ ليال بختمة.
وكان سعيد بن جبير يختم القرآن في كل ليلتين.
وكان زبيد اليامي: إذا حضر رمضان أحضرَ المصحفَ وجمع إليه أصحابه.
وكان الوليد بن عبد الملك يختم في كل ثلاثٍ، وختم في رمضان سبع عشرة ختمة.
وقال أبو عوانة: شهدتُ قتادة يدرِّس القرآن في رمضان.
وكان قتادة يختم القرآن في سبع، – أي كل سبع ليالي يقرأ القرآن مرة -، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاثٍ، فإذا جاء العشر الأواخر ختم كل ليلةٍ.
وقال الربيع بن سليمان – تلميذ الشافعي رحمه الله -: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة، -يعني في كل ليلة يختمه مرتين- وفي كل شهر ثلاثين – أي في غير رمضان – ختمة.
وختامًا : فطوبى لمن ختم أولاده القرآن، فيحيى بن عيسى بن حسين بن إدريس، أبو البركات الأنباري، الواعظ الزاهد، رحمه الله، رزق أولادًا صالحين، فسمَّاهم: أبا بكر، وعثمان، وعمر، وعليًّا، وكان أمَّارًا بالمعروف، نهاءً عن المنكر، مستجاب الدعوة، كان هو وزوجته يصومان النهار، ويقومان الليل، وختم أولادهما القرآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *