الرئيسيةمقالاتأثر الثقافة الإسلامية في الريف البنغالي ببنغلاديش
مقالات

أثر الثقافة الإسلامية في الريف البنغالي ببنغلاديش

أثر الثقافة الإسلامية في الريف البنغالي ببنغلاديش

بقلم : أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي

لا يمكن النظر إلى المجتمع الريفي في بنغلاديش بوصفه مجرد إطار جغرافي أو امتداد مكاني محدود، بل هو الأساس الراسخ الذي تشكلت فوقه حضارة البلاد، وتبلورت في ظله ثقافتها، وتكونت من خلاله ملامح هويتها الوطنية. فعبر مسار تاريخي طويل يمتد لآلاف السنين، ظل الأثر الأعمق والأكثر ثباتا في أنماط العيش، وطرائق التفكير، ومنظومات القيم، والعادات والتقاليد داخل هذا المجتمع هو أثر الثقافة الإسلامية، التي تركت بصمتها الواضحة على مختلف مفاصل الحياة الريفية.
فالإسلام في الريف البنغلاديشي لا يتبدى على هيئة طقوس تعبدية محصورة في نطاق الشعائر فحسب، وإنما يتجلى بوصفه منظومة حياة متكاملة، تتغلغل في تفاصيل السلوك الإنساني، وتتشابك مع بنية الأسرة، ونسيج العلاقات الاجتماعية، ومسارات التعليم والتنشئة الأخلاقية، وضوابط التعامل الاقتصادي، وأشكال التعبير الثقافي، والتكوين النفسي. ومن ثم غدت الثقافة الإسلامية عنصرا أصيلا ومؤثرا في صياغة الشخصية العامة للمجتمع الريفي، وفي إرساء دعائمه الأخلاقية والحضارية جيلا بعد جيل.

وكان لقدوم الإسلام إلى القرى البنغالية أثر بالغ تمثل في إحداث ثورة ثقافية هادئة، عميقة الجذور وبعيدة المدى. فقد جاء الإسلام إلى بنغلاديش عبر مسار تاريخي استثنائي اتسم بالإنسانية والرقي، حيث شكل التجار العرب جسور التواصل الأولى، غير أن الامتداد الحقيقي والراسخ للإسلام تحقق على أيدي المتصوفة والزهاد والدعاة، الذين حملوا رسالته إلى القرى والبوادي.
ولم يكن هؤلاء الرواد دعاة سلطة أو أصحاب قهر، بل كانوا نماذج حية للقدوة الصالحة، نقلوا الإسلام من خلال سلوكهم الإنساني، وعدالتهم الأخلاقية، وعمقهم الروحي، فلامست دعوتهم القلوب قبل العقول. وقد أقام عدد كبير من أولياء الله والمتصوفة، أمثال حضرة شاه جلال رحمه الله، وشاه باران رحمه الله، وخان جهان علي رحمه الله، وبدر الأولياء رحمه الله، وشاه مخدوم روبوش رحمه الله، في ربوع القرى البنغالية، وشاركوا أهلها آلامهم وأحزانهم، ووقفوا إلى جانبهم في الشدائد.
لقد أضفت بساطة حياتهم، ونقاء سريرتهم، واستقامتهم، وتضحياتهم روحا جديدة على المجتمع الريفي، فغرسوا في نفوس الناس ثقة راسخة بالإسلام، وحولوه إلى منظومة قيم وسلوك قبل أن يكون مجرد عقيدة. وهكذا تبلور الإسلام في القرى البنغالية بوصفه ثقافة طبيعية وسلسة، مقبولة لدى الناس، ومتصلة اتصالا وثيقا بنسيج المجتمع، تؤدي دورا محوريا في تشكيل هويته الإنسانية والاجتماعية.

تشكل المساجد في المجتمع الريفي الركيزة الأخلاقية والوجدان الثقافي الذي تنتظم حوله تفاصيل الحياة اليومية. ففي الريف البنغلاديشي لا يقتصر دور المسجد على كونه موضعا لأداء الشعائر والصلوات، بل يتجاوز ذلك ليغدو مؤسسة شاملة متعددة الوظائف، تتصدر المشهد الأخلاقي والاجتماعي والثقافي في القرية.
فالمسجد الريفي هو منبع التعليم الديني، ومهد التنشئة الأخلاقية للأجيال الناشئة، وعنوان الوحدة والتلاحم بين أبناء القرية، وملجأ الفقراء والمحتاجين، ومنبر للحكمة والتقويم الأخلاقي تحل عنده النزاعات وتسوى الخلافات بروح من العدل والإنصاف.
ويقوم أئمة المساجد والعلماء بدور الأب الروحي والمرجعية الأخلاقية في المجتمع الريفي، حيث تسهم خطبهم ومواعظهم وإرشاداتهم في تهذيب السلوك العام، وترسيخ قيم الحياء والاعتدال وتحمل المسؤولية، وبناء ثقافة الاحترام المتبادل والتكافل الاجتماعي، بما يحفظ للقرية توازنها الأخلاقي واستقرارها الاجتماعي.

تتبدى آثار الثقافة الإسلامية في مجال التعليم والتكوين النفسي في الريف البنغلاديشي بعمق لافت، إذ ارتبطت المنظومة التعليمية في القرى ارتباطا تاريخيا وثيقا بالإسلام. وغالبا ما يخطو الطفل أولى خطواته في مسار التعلم من خلال تلاوة القرآن الكريم وحفظه، لتغدو الكتاتيب، والمدارس النورانية، والمعاهد الدينية التقليدية ركائز أساسية في البناء التعليمي للمجتمع الريفي.
ولا يقتصر دور هذه المؤسسات على نقل المعارف الدينية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى بناء الإنسان أخلاقيا وإنسانيا، وصياغة وعيه النفسي والاجتماعي منذ نعومة أظفاره. فمن خلال هذا التعليم تتجذر في نفوس الأطفال قيم راسخة، في مقدمتها خشية الله وضبط النفس، والصدق والأمانة، وحسن الأدب والالتزام بالآداب الاجتماعية إلى جانب توقير الكبار والعطف على الصغار.
وقد أسهم هذا التكوين الأخلاقي المتين في الحد من مظاهر الانحراف والسلوك الإجرامي داخل المجتمع الريفي، كما عزز الثقة المتبادلة بين أفراده، وأسهم في ترسيخ روح التماسك الاجتماعي والاستقرار النفسي. وهكذا ظل التعليم الإسلامي في الريف البنغلاديشي عاملا محوريا في بناء الشخصية المتوازنة، وحفظ السلم الاجتماعي، وصون القيم التي يقوم عليها نسيج المجتمع عبر الأجيال.
تستند الحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية في الريف البنغالي ببنغلاديش إلى منظومة قيمية إسلامية عميقة الجذور، صاغت ملامح المجتمع ووجهت سلوكه عبر الأجيال. ففي كنف الأسرة يتجلى توقير الوالدين، وتتجسد صلة الأرحام، وتصان حقوق الجوار، ويسود الإحساس بالمسؤولية المتبادلة، بوصفها قيما مستمدة من التعاليم الإسلامية ومترجمة إلى ممارسات يومية حية.
وينظر إلى الزواج في الوعي الاجتماعي الريفي على أنه عقد شرعي وأخلاقي، يهدف إلى بناء أسرة قائمة على المودة والرحمة. كما تراعى الأحكام الإسلامية في شؤون الطلاق، والميراث، والنفقة، وتحمل الواجبات الأسرية، مما أسهم في ترسيخ بنية أسرية متماسكة حافظت على استقرار المجتمع الريفي وتوازنه الاجتماعي.
تتجلى روح الإسلام بعمق في عادات الريف البنغالي وطقوسه، وتنساب تعاليمه في تفاصيل الحياة اليومية لأبنائه، حتى غدت جزءا أصيلا من نسيجه الثقافي والاجتماعي. فمسيرة الإنسان الريفي منذ ميلاده وحتى مماته لا تنفك عن الحضور الإسلامي، إذ ترافقه الشعائر والآداب الدينية في كل طور من أطوار حياته.
فعند قدوم المولود الجديد يرفع الأذان في أذنه وتقام شعيرة العقيقة، وفي رباط الزواج تلقى الخطبة وتتعالى الأدعية طلبا للبركة، أما عند الرحيل فتشيع الجنائز، ويوارى الجسد الثرى، وتقام مجالس الدعاء والترحم. وإلى جانب هذه المناسبات المفصلية، تشكل مجالس الوعظ والميلاد، وختم القرآن الكريم، وشهر رمضان المبارك، وعيدا الفطر والأضحى، مواسم إيمانية واجتماعية جامعة، تعمق الوعي الديني وتوطد أواصر التضامن والتلاحم داخل المجتمع الريفي.

يتبدى أثر الإسلام بجلاء في لغة الريف البنغالي وتراثه الشعبي وأدبه، حيث ترك حضوره العميق بصماته الواضحة على اللسان والوجدان معا. فقد تداخلت المفردات العربية والفارسية في نسيج اللغة اليومية، وأضحت جزءا من التعبير الشفهي والثقافي لأهل الريف. كما عكست الفنون الشعبية من الأغاني التراثية والحمد والنعت والشعر الإسلامي، القيم الأخلاقية والمعاني الروحية للإسلام، فغدت مرآة لضمير المجتمع ومخزونا حيا لذاكرته الدينية، تنتقل عبرها المشاعر الإيمانية من جيل إلى جيل.

وفي المجال الاقتصادي والاجتماعي، أسهمت الثقافة الإسلامية في ترسيخ منظومة أخلاقية قائمة على العدل والرحمة والتكافل. فقد أرست مبادئ الإنصاف في المعاملات، ونبذت الغش في الكيل والميزان، وعززت الوعي بخطورة الربا وآثاره. كما شكلت الزكاة، وزكاة الفطر، والصدقات، وشعيرة الأضحية شبكة غير رسمية للأمان الاجتماعي في الريف، حفظت كرامة الفقراء والمستضعفين، وأبقتهم جزءا أصيلا من نسيج المجتمع، شركاء في حياته ومسيرته.
أسهمت الثقافة الإسلامية في المجتمع الريفي في تشييد منظومة أخلاقية واجتماعية تصون كرامة المرأة وتوفر لها إطارا من الحماية والاعتبار. فقد رسخت تعاليم الإسلام مكانة الأمومة باعتبارها قيمة سامية، وأقرت مفهوم الحشمة، وأكدت دور الأسرة بوصفها حصنا اجتماعيا، فكان لذلك أثر بالغ في تحديد موقع المرأة داخل البناء الاجتماعي الريفي. ورغم ما يعتري التطبيق الواقعي من تحديات وإشكالات، ظلت القيم الإسلامية تمثل مرجعية أخلاقية تحفظ للمرأة احترامها وتصون كرامتها.
ومع تسارع وتيرة التحضر، وتغلغل التكنولوجيا الحديثة، وتأثير وسائل الإعلام وثقافة الاستهلاك، يشهد المجتمع الريفي تحولات عميقة ومتلاحقة. وقد انعكس ذلك في بعض مظاهره على أنماط حياة الجيل الشاب، حيث تراجع حضور الثقافة الإسلامية في بعض الجوانب. غير أن المساجد، والمدارس الدينية، والمؤسسات الدعوية لا تزال تضطلع بدور محوري في صون هذه الثقافة، ونقلها، وتعزيز حضورها في الوعي الجمعي.

إن أثر الثقافة الإسلامية في الريف البنغالي ببنغلاديش أثر عميق ومتعدد الأبعاد وراسخ الامتداد. فهي ليست مجرد التزام شعائري أو منظومة من الأحكام الدينية، بل بناء أخلاقي واجتماعي وثقافي متكامل، أسهم في تشكيل مجتمع أكثر إنسانية وانضباطا وتسامحا. ومن ثم، فإن الثقافة الإسلامية ليست تراثا من الماضي فحسب، بل حقيقة حية في الحاضر، وأساسا أخلاقيا متينا تستند إليه آفاق المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *