الإسلام في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية
بقلم : أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي
حين وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، كانت بريطانيا تشبه سفينة خرجت من إعصار هائل، أشرعتها ممزقة، وعمالها قليلون، وأراضيها منهكة تنتظر من يبعث فيها الحياة من جديد. وفي تلك اللحظة التاريخية الدقيقة، انفتحت أبواب البلاد على مصاريعها أمام موجات بشرية جاءت من أطراف الكومنولث، تحمل في قلوبها أملا وفي أمتعتها بساطة، وبين تلك الجموع تناثرت بذور الوجود الإسلامي الحديث في بريطانيا. وكانت بريطانيا، عند انتهاء الحرب العالمية الثانية، كأرض أنهكها المطر وانحسرت عنها السيول، تبحث عمن يمد جذورها بقليل من الحياة، المصانع صامتة، والمرافئ شبه خالية، والطرقات تعج بطيف الخراب الذي تركته الحرب وراءها. وفي هذا الفراغ الكبير، بدأت الأبواب تتفتح للقادمين من المشرق البعيد، كأن الريح حملت إليهم نداء خفيا يدعوهم لكتابة فصل جديد من فصول التاريخ. كان أولئك الرجال القادمون من الهند وبنغلاديش البعيدة، ومن باكستان الوليدة، ومن اليمن العريق، ومن القرى المغربية المتناثرة، يمشون فوق أرصفة الموانئ البريطانية بخطى مترددة، كأنهم يضعون أقدامهم على أرض لم يألفوها، ويتنفسون هواء لا يشبه هواء بلادهم. لكنهم كانوا يحملون في أعماقهم نورا لا يخبو: نور الإسلام الذي سيظل دليلهم وسط هذه البلاد الغريبة.
وصلوا بملابس بسيطة، ووجوه تحمل أثر السفر الطويل، وقلوب متعبة تستبطن رجاء واحدا: أن يجدوا عملا يعينهم على مواجهة الحياة، ثم يعودوا إلى أوطانهم حاملين لأهلهم شيئا من الخير. لم يكونوا يعلمون أن تلك الخطوات الأولى فوق الأرض البريطانية ستكون بداية قصة امتداد لا رجوع فيها. كانت الهجرة في بداياتها هجرة رجال وحدهم.
جاؤوا بلا زوجات، بلا أطفال، بلا عائلة. وربما بلا فكرة واضحة عن الغد. كانوا ينامون في غرف مزدحمة، ويمارسون أعمالا شاقة في مصانع الحديد والصلب، ويكدون في الموانئ حيث تختلط رائحة البحر برائحة التعب. ومع كل صباح بريطاني بارد، كان الحنين يوقظ فيهم صور البيوت الطينية في قراهم، وأصوات الأمهات عند الفجر، وضحكات الأطفال عند المساء.
لكنهم كانوا يواصلون المسير. فالغربة قاسية، غير أنها عند أصحاب العزائم تصبح ميدانا للثبات والصبر.
لم تكن المساجد يومذاك مباني شامخة ولا مآذن تعانق السماء.
كانت مجرد غرف صغيرة فوق متاجر آسيوية، أو أقبية رطبة في قلب الأحياء الفقيرة، أو شققا مستأجرة تفرش بالحصر البالية، ويعلق على جدرانها مصحف واحد فقط. ومع ذلك، كانت تلك الأماكن بالنسبة إليهم أطهر بقعة في الأرض.
هناك كانوا يجدون وطنهم الحقيقي مكانا يجتمعون فيه على ذكر الله، ويستعيدون به شيئا من دفء الشرق، ويشعرون أن الغربة يمكن أن تهزم إذا اجتمع المؤمنون على كلمة سواء.
من تلك الغرف المتواضعة انطلقت الشرارة الأولى لما سيكون لاحقا مئات المساجد الشامخة التي تزين المدن البريطانية.
في البداية كان كل فرد يعيش غربة صامتة، لكن شيئا فشيئا، بدأت الخيوط الدقيقة تنسج نسيجا جديدا لقاءات صغيرة بعد صلاة المغرب، وتبادل الطعام بين أبناء الثقافات المختلفة، وزيارة المريض، ومساعدة الوافد الجديد، وجمع التبرعات لدفن من يموت منهم بعيدا عن أهله.
وهكذا، من رحم الغربة والوحدة، ولد مجتمع صغير متماسك، كأنه أسرة ممتدة وإن اختلفت لغاتهم وأعراقهم. وقد شكل هذا المجتمع البسيط الأساس المتين للوجود الإسلامي الذي سيكبر ويتسع عبر العقود التالية.
أثر تلك الهجرة في رسم المستقبل، وكان أولئك الرجال يظنون أنهم مجرد عابري سبيل في بلاد باردة، لكن الأيام أثبتت أنهم كانوا بنائي المستقبل. فهجرتهم هي التي أسست لأول مساجد بريطانيا، ولدت أول الروابط الإسلامية، ومهدت لقدوم العائلات لاحقا، أنجبت الجيل الثاني الذي سيحمل التعليم البريطاني والروح الإسلامية معا.
وبذلك تحول الوجود الإسلامي من ظاهرة عابرة إلى جذر ثابت في قلب بريطانيا. لم تكن الهجرة مجرد انتقال من بلد إلى بلد، بل كانت انتقالا من دائرة الفرد إلى دائرة الأمة، ومن حدود الجغرافيا إلى فضاء الرسالة.
لقد حمل المهاجرون الأوائل نور الإسلام في قلوبهم، فأوقدوه في أرض بعيدة، حتى أصبح اليوم ضوءا كبيرا لا يمكن تجاهله في المشهد البريطاني. هكذا ولدت الجالية المسلمة من غرف صغيرة فوق مطاعم متواضعة، ومن رجال وحيدين يواجهون البرد والأمل، ومن صلاة تقام في أقبية خافتة الضوء، لكنها كانت مشتعلة باليقين.
مع مطلع الستينيات والسبعينيات بدأت صورة الجالية تتغير. لم يعد حضور المسلمين مرتبطا بمرة الريح التي جاءت بهم، بل بدأ يشبه الشجرة التي تبحث عن ظلها في أرض جديدة. فاستقدم العمال زوجاتهم وأطفالهم، واستقرت العائلات في أحياء كاملة تتجاور فيها اللغات والألوان والروائح القادمة من الشرق. هنا انطلقت الخطوة الثانية بناء المساجد، وبعضها كان كنائس مهجورة أعيد إليها الروح على تلاوة القرآن، وبعضها بيوت صغيرة اكتسبت بهاء القدسية، وبعضها مبان جديدة ارتفعت بمجهودات أبناء الجالية، كأنها إعلان رسمي يقول،
إن للإسلام مقاما في هذه الأرض. وفي تلك السنوات تأسست جمعيات واتحادات إسلامية، تحولت لاحقا إلى مراكز تأثير ورعاية وتثقيف، فازدادت الجالية تماسكا ووضوحا.
في ثمانينيات القرن العشرين، بدأ المسلمون يمسكون بزمام وعيهم الجماعي. ظهر جيل جديد ولد في المدارس البريطانية، يتحدث الإنجليزية بلسان سليم، لكنه يحمل قلبا يعرف من أين جاء.
ثم جاءت أزمة سلمان رشدي لتكون صدمة أيقظت الجالية على ضرورة أن يكون لها صوت عال يسمع، ووجود سياسي يرى، ومؤسسات قادرة على الدفاع عن قضاياها. كان المشهد صاخبا، لكنه حمل في طياته ولادة الوعي السياسي الإسلامي في بريطانيا المعاصرة.
وخلال تلك المرحلة، اتسعت المساجد، وازدهر النشاط الطلابي، وتشكلت نخب فكرية جديدة. حلت أحداث 11 سبتمبر وما أعقبها من تفجيرات لندن كالسحابة الثقيلة فوق رؤوس المسلمين. اشتدت الرقابة، وضاقت المسافات، وأصبح المسلم يسأل عن دينه قبل اسمه. غير أن هذه العاصفة، برغم قسوتها، دفعت الجالية إلى ترتيب بيتها الداخلي، وإلى تطوير خطاب جديد يقوم على المشاركة الإيجابية، وعلى الدفاع الذكي عن الهوية.
وظهر الجيل البريطاني المسلم جيل يقرأ القرآن بلسان عربي، ويتحدث مع المجتمع بلسان إنجليزي، ويؤمن أن الإسلام يمكن أن يكون نورا يضيء الحياة الغربية، لا ظلا ينحسر في أطرافها.
ها هي بريطانيا اليوم تشهد حضورا إسلاميا ناضجا، لا يمكن إغفاله أو إنكاره. أكثر من ألفي مسجد تنتشر في المدن، عشرات المدارس الإسلامية، مؤسسات خيرية تمتد أنشطتها إلى قارات العالم، وأصوات سياسية ترتقي إلى مواقع القرار.
في الاقتصاد، أصبح للحلال سوق واسع. وفي الثقافة، برز أدباء وفنانون ومفكرون مسلمون. وفي السياسة، صعد نواب ورؤساء بلديات، حتى غدا المسلمون جزءا من صورتها الحديثة. لم يعد المسلم دخيلا على المشهد البريطاني، بل صار ركنا من أركانه، يسهم في تشكيل ملامحه، ويضيف إليه لونا من الحكمة الشرقية والروحانية العميقة. إن تاريخ الإسلام في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية ليس مجرد قصة هجرة، بل هو قصة إنسان يبحث عن مكانه في الكون، يحمل دينه معه، ويزرع قيمه في أرض جديدة، ثم ينمو شيئا فشيئا حتى يصبح جزءا من نسيجها. هي قصة غرباء جاءوا فجعلوا من الغربة وطنا، ومن المساجد الصغيرة معالم شاهقة، ومن الجالية المتواضعة مجتمعا متجذرا له وجوده واحترامه.

