الرئيسيةثقافة الأدب العربي المعاصر: مرايا الآخر وظلال القطيعة مع الذات
ثقافةمقالات

 الأدب العربي المعاصر: مرايا الآخر وظلال القطيعة مع الذات

الأدب العربي المعاصر: مرايا الآخر وظلال القطيعة مع الذات

 

نور الدين طاهري

 

شهدت نهاية القرن التاسع عشر لحظة فارقة في تاريخ الوعي العربي؛ لم تكن مجرد انتقال زمني، بل كانت زلزالا معرفيا أحدث فجوة عميقة بين الذاكرة الأدبية التراثية وبين الممارسة الإبداعية الحديثة. هذه “القطيعة” لم تكن نتاج تطور طبيعي داخلي للأنماط الأدبية العربية، بل كانت استجابة قسرية لسطوة النموذج الثقافي الغربي الذي اقتحم الفضاء العربي محمولا على أكتاف الحداثة السياسية والتقنية. لقد انتقل الأديب العربي، في لحظة وعي حادة بـ”تأخره”، من الكتابة داخل نظام “السنن” التراثية التي استقرت لقرون، إلى الكتابة تحت وطأة “النموذج” الأوروبي، حتى صار ما ننتجه اليوم من رواية وقصة وقصيدة نثر يرتبط بوشائج القربى مع بودلير، وفلوبير، وجيمس جويس أكثر مما يتصل بالمتنبي أو الجاحظ أو الهمذاني.

إن المتأمل في هذه المفارقة يجد أن الإبداع العربي الحديث قد استبدل “أبوته” الثقافية؛ فبينما كان الأديب القديم يتحرك في فضاء لغوي وجمالي محكوم بمرجعيات البلاغة العربية الكلاسيكية، أصبح الأديب المعاصر يستمد شرعيته الإبداعية من مدى مواكبته للمذاهب الأدبية الغربية، من رومانسية وواقعية وتفكيكية. وهنا يبرز الناقد المغربي عبد الفتاح كليطو كأحد أهم الأصوات التي التفتت، بذكاء وتؤدة، إلى خطورة هذه القطيعة، حيث يرى في طروحاته، لا سيما في كتابه “لن تتحدث لغتي”، أن الكاتب العربي الحديث بات يكتب بلغة عربية لكن بـ”خيال مترجم”. يحلل كليطو هذا الاستلاب من منظور أننا أصبحنا نقرأ تراثنا بعيون المستشرقين، ولا نعيد الاعتبار لنص قديم إلا إذا نال مباركة النقد الغربي، كما حدث مع “ألف ليلة وليلة” التي لم تدخل المتن الأدبي العربي المعترف به إلا بعد أن احتفى بها الأدب العالمي.

هذه القطيعة أدت إلى نشوء وضعية غريبة؛ فالأديب المعاصر صار يمتلك لغة “واصفة” مستعارة بالكامل من الغرب لتحليل واقع عربي، مما خلق نوعا من الانفصام الجمالي. فالرواية العربية، رغم نضجها، تظل مدينة في تقنياتها (مثل تيار الوعي أو تعدد الأصوات) للمنجز الأوروبي، في حين ظلت الأشكال السردية القديمة مثل “المقامة” أو “السيرة الشعبية” مهملة في زاوية التراث كأنتيكا تاريخية لا تصلح للاستعمال الحديث. إن التحليل العميق لهذه الظاهرة يكشف عن أننا لم نعد نكتب “امتدادا” لأسلافنا، بل “رد فعل” على ما ينتجه الآخر، فأصبح المبدع العربي يخشى أن يوصف بالتقليدية إذا ما استلهم جماليات التراث، ويطمح في المقابل إلى “العالمية” التي ليست، في حقيقتها، سوى “الأوروبية” بزي آخر.

لقد انتبه نقاد كثر لهذه المعضلة، معتبرين أن الانقطاع عن الجذور الجمالية للغة العربية جعل الأدب الحديث يبدو وكأنه نبتة بلا تربة، أو مجرد صدى لموجات ثقافية تولد في باريس ولندن وتصل إلينا متأخرة. إن مأزق الحداثة العربية يكمن في أنها حداثة “اقتباسية” وليست “توليدية”، حيث تم بتر الصلة مع المخزون الرمزي القديم بدعوى التجديد، مما أفقد النص المعاصر تلك “السيادة” التي تحدث عنها كليطو؛ السيادة التي تجعل الأديب يكتب وهو يشعر بأنه وريث شرعي للغته، لا مجرد مقلد لتقنيات وافدة. وبناء على ذلك، فإن ما نكتبه الآن، وإن كان يحمل هموما محلية، إلا أنه يفتقر إلى تلك الهوية البنائية التي تجعل منه أدبا عربيا بالمعنى الجمالي العميق، ليصبح في نهاية المطاف “أدبا أوروبيا مكتوبا بالعربية”، يطارد سراب الاعتراف الكوني بينما يمعن في نسيان هويته الأم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *