الحصار الجوي رسالة أمريكية أم خرق للقانون الدولي
بقلم الإعلامي والسياسي رامي السيد
تشهد الساحة الدولية موجة جديدة من سياسات الضغط التي تنتهجها الولايات المتحدة ضد الدول التي ترفض الخضوع لمعادلة الهيمنة وتأتي فنزويلا في مقدمة هذه الدول، بعدما تحولت إلى نموذج واضح للصراع بين إرادة الشعوب ومصالح القوى الكبرى وفي هذا الإطار يبرز الحصار الجوي الأمريكي المفروض على فنزويلا بوصفه واحدا من أكثر الإجراءات إثارة للجدل ليس فقط لآثاره السياسية والاقتصادية
بل لكونه يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة
هل ما تقوم به واشنطن مجرد رسالة سياسية
أم أنه خرق صريح للقانون الدولي
أولا الحصار الجوي كأداة ضغط سياسي
لا تخفي الولايات المتحدة رغبتها في إعادة صياغة المشهد الفنزويلي بما يخدم مصالحها وقد انتقلت من العقوبات الاقتصادية التقليدية إلى محاولات عزل فنزويلا عن العالم جوا عبر وقف رحلات وتقييد مرور الطائرات ومنع شركات معينة من التعامل مع المطارات الفنزويلية
هذه الإجراءات مهما حاولت واشنطن تقديمها في إطار
الأمن القومي تبقى في جوهرها ضغطا سياسيا مباشرا يهدف إلى إضعاف الاقتصاد الفنزويلي والتأثير على الحركة التجارية وزعزعة الاستقرار الداخلى من خلال ضرب خطوط الاتصال والعلاقات الدولية
ثانيا البعد القانوني أين يقف القانون الدولي
القانون الدولي وخاصة اتفاقية شيكاغو للطيران المدني واضح في مبدأ احترام سيادة المجال الجوي، لكنه في الوقت نفسه يحظر اتخاذ إجراءات تعسفية تعرض المدنيين أو مصالح الدول المستقلة للخطر
وعندما تفرض دولة ما حصارا جويا غير إنساني أو يتجاوز مبدأ الضرورة المبررة فإن ذلك يعد تجاوزا خطيرا للمعايير القانونية ويمثل نوعا من العقاب الجماعي الذي يرفضه المجتمع الدولي
الحصار الجوي الأمريكي على فنزويلا لا يستند إلى قرار أممي ولا يصاحبه إطار قانوني دولي بل يعتمد فقط على قوة النفوذ والهيمنة وهذا بحد ذاته يجعل منه عملا أقرب إلى الانتهاك الصريح لمبادئ الأمم المتحدة
ثالثا الرسالة الأمريكية القوة بدل الحوار
من الواضح أن واشنطن لا تراهن على الدبلوماسية في ملف فنزويلا بل تختار طريق القوة والضغط اعتقادا منها أن الحصار قد يدفع الشعب الفنزويلي إلى الانقسام الداخلي أو تغيير مسار قيادته السياسية
لكن التجارب أثبتت أن الحصار بدلا من أن يكسر إرادة الشعوب يزيدها صلابة ويعزز النزعة الوطنية الرافضة لأي تدخل خارجي
وبالتالي فإن الحصار الجوي ليس مجرد إجراء عابر بل رسالة سياسية قاسية من واشنطن مفادها إما الخضوع أو التشديد
رابعا فنزويلا بين الصمود والتحرك الدبلوماسي
رغم كل الضغوط، لم تقف فنزويلا مكتوفة الأيدي بل تحركت عبر مؤسساتها السياسية والدبلوماسية وقدمت شكاوى موثقة في المحافل الدولية مؤكدة أن الحصار يتعارض مع القانون الدولي ويهدد الأمن الإنساني
كما عززت تعاونها مع دول صديقة وقوى عالمية مؤثرة لتفكيك آثار الحصار والبحث عن مسارات بديلة تضمن استمرار التواصل الجوي والتجاري
خامسا الحصار خرق لا يخدع أحدا
يمكن القول إن الحصار الجوي المفروض على فنزويلا يجمع بين الرسالة السياسية والخرق القانوني لكنه في كل الأحوال يبقى مثالا صارخا على توظيف القوة الاقتصادية والسياسية خارج إطار القانون الدولي
فالعالم لم يعد يقبل أن تتحكم دولة واحدة في مصائر الشعوب ولا يمكن لمبادئ الهيمنة أن تقدم على أنها قرارات سيادية أو دفاعية
الحصار الجوي على فنزويلا كشف حقيقة واحدة لا جدال فيها
أن من يملك القوة يحاول فرض القانون ومن يملك الإرادة يصنع مستقبله
وفي كل الأحوال تبقى الشعوب هي صاحبة القرار النهائي ومهما طال الحصار فإن الوعي الوطني سيبقى أقوى من أي قيود تفرض من خارج الحدود

