الحلقة 46 من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»
الشهيد البطل نقيب شرطة مصطفى محمد عثمان.. «دبابة سيناء»
توثيق: الكاتب والمؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله
لم يكن الشهيد البطل نقيب الشرطة مصطفى محمد عثمان مجرد ضابط أدى واجبه، بل كان واحدًا من أبناء الشرطة المصرية الذين اختاروا طريق الواجب، ووضعوا أرواحهم في مقدمة الصفوف دفاعًا عن الوطن وحمايةً لأرواح المواطنين.
ودائمًا ما كانت الشرطة والجيش جناحي الطائر الذي يحلق في سماء مصر، يرصد كل محاولة للنيل من أمنها واستقرارها، ويتصدى لكل خطر يهدد أرضها وشعبها.
وينطبق على بطلنا قول الله تعالى:
﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
آل عمران: 34
أسرة من رجال الدولة والوطن
ينتمي الشهيد البطل مصطفى محمد عثمان إلى أسرة ارتبط عدد من أفرادها بالعمل الوطني والعسكري والشرطي.
فوالده هو اللواء بالمعاش محمد عثمان سيد، مساعد مدير أمن الأقصر سابقًا.
كما أن الشهيد هو حفيد الوزير فوزي عبد الحافظ أحمد منصور، السكرتير السابق للرئيس الراحل محمد أنور السادات، والذي ارتبط اسمه بموقفه خلال حادث المنصة، حيث حاول افتداء الرئيس بجسده.
كما ينحدر الشهيد من أسرة تنتسب إلى السيد عمر مكرم، نقيب الأشراف.
البداية.. من مواليد 1993 إلى كلية الشرطة
وُلد الشهيد البطل مصطفى محمد عثمان في 21 يونيو 1993، وبعد أن أنهى مراحله الدراسية بتفوق، التحق بكلية الشرطة عام 2011، وتخرج فيها عام 2015.
وكان والده اللواء محمد عثمان هو مثله الأعلى، ولذلك أصر مصطفى على الالتحاق بكلية الشرطة اقتداءً به، ليبدأ مسيرته في خدمة الوطن.
وعلى المستوى الإنساني، كان الشهيد، بحسب روايات أسرته والمقربين منه، نعم الابن البار، والأخ الحنون، والزوج المخلص، والأب الذي يصعب تعويضه.
وكان متزوجًا، وله طفل يبلغ من العمر عامًا ونصف العام، وابنة حديثة الولادة لم تكن قد عرفت والدها إلا لفترة قصيرة قبل استشهاده.
وعُرف مصطفى بقضاء حوائج أهله وجيرانه وأصدقائه، وظلت سيرته بين من عرفوه شاهدة على حسن معاملته وحرصه على مساعدة الآخرين.
من العمليات الخاصة إلى مكافحة الإرهاب
عقب تخرجه في كلية الشرطة، التحق الشهيد بقطاع الأمن المركزي، وتحديدًا بقطاع العمليات الخاصة، حيث قضى قرابة عام.
ثم انتقل إلى قطاع الأمن المركزي بأسيوط بناءً على رغبة أسرته، لقربه من محل الإقامة.
وبعد ذلك التحق بإدارة مكافحة الإرهاب بقطاع أمن مركزي أسيوط، حيث تخصصت الإدارة في التعامل مع العناصر المسلحة والخطرة في المناطق الجبلية بصعيد مصر.
ولم تقتصر مهامه على الصعيد، فقد كان الشهيد معتادًا على السفر إلى سيناء بصورة دورية، بمعدل ثلاث أو أربع مرات سنويًا تقريبًا، وكان يقضي في كل مهمة نحو 45 يومًا.
«دبابة سيناء».. لقب صنعته الميدان
خلال مشاركته في مهام مكافحة الإرهاب بسيناء، حصل الشهيد على تكريم خاص ضمن جهود العملية الشاملة لمكافحة الإرهاب في سيناء عام 2018، وذلك تقديرًا لما نُسب إليه من أداء متميز خلال إحدى المهام التي شارك فيها.
وجاء في شهادة التكريم:
«بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
صدق الله العظيم.»
السيد ملازم أول/ مصطفى محمد عثمان
يسر الإدارة العامة للأمن المركزي بمنطقة سيناء أن تتقدم لسيادتكم بخالص الشكر والتقدير لمجهودكم الصادق وأدائكم المتميز في مجال: العملية الشاملة لمكافحة الإرهاب – سيناء 2018.
ونأمل أن يكون هذا التكريم حافزًا لكم لمزيد من العطاء والتميز في الأداء لتحقيق الأمن والأمان لمصرنا الحبيبة.
لواء/ ناصر أحمد حسين
مدير الإدارة العامة للأمن المركزي بمنطقة سيناء
تحريرًا في 28/3/2018
وبحسب ما ورد في التوثيق، أطلقت عليه العناصر الإرهابية لقب «دبابة سيناء»، وهو اللقب الذي أطلقه عليه أيضًا عدد من قادته الميدانيين، في إشارة إلى حضوره القوي خلال المهام التي شارك فيها.
أما اللقب الذي عرفه به المصريون بعد رحيله فكان «الشهيد الضاحك»، بسبب ابتسامته التي كانت لا تفارق وجهه.
يوم الشهادة.. 25 يونيو 2019
في 25 يونيو 2019، استشهد النقيب مصطفى محمد عثمان خلال أحداث كمين الصفا – الرفاعي بالعريش.
وبحسب رواية التوثيق، كانت مجموعة من العناصر المسلحة تخطط لاستهداف عدد من الأكمنة الأمنية المتجاورة،
إلى جانب مناطق حيوية تضم السوق والموقف والمسجد في منطقة الرفاعي، باستخدام سيارة مفخخة وحزام ناسف وأسلحة نارية.
وكان الشهيد، وفقًا للرواية، أحد المستهدفين بصورة خاصة، نظرًا لما نُسب إليه من نجاحات سابقة في مواجهة العناصر المسلحة.
وأمام خطورة الموقف، قرر الشهيد، ومعه عدد من المجندين، التقدم خارج نطاق الكمين للتعامل مع المهاجمين بعيدًا عن المناطق التي تضم المدنيين، بهدف الحد من الخسائر وحماية الأهالي والمنشآت المحيطة.
وخلال الاشتباك العنيف، أُصيب البطل، لكنه واصل القتال رغم إصابته.
وتذكر رواية التوثيق أنه تمكن من التعامل مع أحد المهاجمين الذي كان يرتدي حزامًا ناسفًا، كما تعامل مع مسلحين آخرين، بينما اضطرت السيارة المفخخة إلى التراجع تحت ضغط الاشتباك.
وبعد ذلك، استشهد البطل متأثرًا بإصاباته.
خبر الاستشهاد.. وجع لا ينسى
تلقت أسرة الشهيد خبر استشهاده في محافظة الدقهلية، مسقط رأس والدته، حيث كانت الأسرة موجودة لحضور عزاء خالة الشهيد.
وفي لحظة واحدة، تحولت أخبار البطولة التي كان يتابعها الوطن إلى خبر موجع داخل بيت فقد ابنه وزوجه وأباه.
الوطن لا ينسى أبناءه
اعترافًا بما قدمه الشهيد، جرى تكريمه بعد استشهاده بأكثر من صورة.
فأطلقت محافظة أسيوط اسمه على ميدان الحمامة بشارع الهلالي، أحد الميادين الرئيسية بالمحافظة، حيث نشأ وعاش جانبًا من حياته.
كما أطلقت محافظة المنيا اسمه على مدرسة التحرير الابتدائية بمركز ملوي، في المنطقة المرتبطة بجذور والده.
وهكذا ظل اسم مصطفى محمد عثمان حاضرًا في الأماكن التي ارتبط بها في حياته، ليصبح الاسم شاهدًا على سيرة رجل اختار أن يؤدي واجبه حتى النهاية.
«أبي.. متى يعود؟»
ولعل أكثر مشاهد هذه السيرة الإنسانية تأثيرًا ما ارتبط بابنه الصغير محمد.
فكلما اشتاق الطفل إلى رؤية والده الذي طال غيابه، كانت الأسرة تُنزل صورة والده إلى مستوى الطفل، فيقترب منها، ويقبلها، ويداعبها، ويتحدث إليها وكأن والده ما زال أمامه.
صورة تختصر مأساة كل طفل فقد أباه في معركة الوطن، وتختصر في الوقت نفسه حجم التضحية التي قدمها هؤلاء الرجال وأسرهم.
خاتمة.. رجال يكتبون أسماءهم في ذاكرة الوطن
رحل النقيب مصطفى محمد عثمان، لكن قصته بقيت حاضرة في ذاكرة أسرته، وبين زملائه، وفي الأماكن التي حملت اسمه.
منذ التحاقه بكلية الشرطة، مرورًا بالعمليات الخاصة ومكافحة الإرهاب، ثم مهامه المتكررة في سيناء، وحتى لحظة المواجهة الأخيرة، ظل اختياره واضحًا: القيام بالواجب وحماية الأرواح.
وهكذا تظل قصص شهداء الواجب جزءًا من ذاكرة مصر؛ رجال واجهوا الخطر في أصعب الظروف، وتركوا خلفهم أسرًا وأطفالًا وذكريات لا تنتهي.
رحم الله الشهيد البطل نقيب شرطة مصطفى محمد عثمان، وحفظ مصر وأهلها، وحفظ أبناء الوطن الذين يؤدون واجبهم في كل موقع.
توثيق: د. أحمد علي عطية الله

