الملكة فريدة.. حكاية صافيناز ذو الفقار من قصر القبة إلى عالم الفن
الرئيسية » داليا حسام تكتب:خلف أبواب عابدين.. فريدة حين دخلت القصر ولم تعرف أن حياتها ستصبح تاريخًا
مقالات

داليا حسام تكتب:خلف أبواب عابدين.. فريدة حين دخلت القصر ولم تعرف أن حياتها ستصبح تاريخًا

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

خلف أبواب عابدين.. فريدة حين دخلت القصر ولم تعرف أن حياتها ستصبح تاريخًا

داليا حسام – كاتبة و إستايلست

بعد ما قفلنا باب نازلي…
نفتح بابًا مختلفًا تمامًا.

هذه المرة، لا ندخل القصر مع ملكة عاشت سنوات طويلة تعرف تفاصيل البلاط، ولا مع امرأة وُلدت داخل الأسرة المالكة.

ندخل مع فتاة شابة اسمها صافيناز ذو الفقار.
فتاة من الإسكندرية، من أسرة مصرية راقية، تلقت تعليمًا غربيًا، وعاشت حياة بعيدة عن فكرة أن تكون يومًا زوجة ملك.

لكن في عام 1937، تغير كل شيء.

كانت صافيناز برفقة والدتها في الرحلة الأوروبية التي قامت بها الأسرة المالكة، وهناك التقت بالملك فاروق.

وبعدها لم تعد الحكاية مجرد لقاء عابر.
تحولت الفتاة إلى خطيبة الملك.
ثم إلى زوجته.
ثم إلى ملكة مصر.

لكن المفاجأة أن قصة فريدة الحقيقية لم تكن في السنوات التي حملت فيها التاج فقط…
بل في السنوات التي سقط فيها التاج من حياتها.

1. قبل أن تصبح فريدة

ولدت صافيناز ذو الفقار في 5 سبتمبر 1921 في حي جناكليس بالإسكندرية.

كان والدها يوسف ذو الفقار قاضيًا ودبلوماسيًا، وكانت والدتها زينب سعيد من سيدات المجتمع، وكانت لها صلة بالبلاط الملكي وكانت وصيفة للملكة نازلي.

كما كانت زينب شقيقة الفنان المصري المعروف محمود سعيد، الذي كان له دور مهم في حياة صافيناز الفنية فيما بعد.

تلقت صافيناز تعليمًا غربيًا في مدرسة نوتردام دي سيون بالإسكندرية، وكانت الفرنسية لغتها الأولى،

وهو أمر كان شائعًا بين أبناء الطبقة الراقية في مصر في ذلك الوقت.
كانت إذن فتاة لها عالمها الخاص…

تعليمها.
أسرتها.
وحياتها في الإسكندرية.
ولم تكن تعرف أن هناك بابًا آخر سيفتح أمامها.
باب القصر.

2. اللقاء الذي غيّر كل شيء

في عام 1937، رافقت صافيناز والدتها خلال الجولة الأوروبية التي قامت بها الأسرة المالكة.
وهناك التقت بالملك فاروق.

كان فاروق قد أصبح ملكًا لمصر، بعد وفاة والده الملك فؤاد في أبريل 1936، ثم تولى سلطاته الدستورية كاملة في يوليو 1937.

لم يطل الوقت حتى تحولت قصة التعارف إلى ارتباط رسمي.

وفي 20 يناير 1938، تزوج فاروق من صافيناز.
لكنها لم تدخل التاريخ باسم صافيناز.
أصبحت فريدة.

ويرتبط اختيار الاسم برغبة الملك فؤاد في أن تبدأ أسماء أفراد الأسرة المالكة بحرف الفاء.
والزواج نفسه لم يتم في عابدين.

ودي نقطة لازم نثبتها لأن سلسلتنا اسمها «خلف أبواب عابدين»، لكننا لا نريد أن ننسب للقصر حدثًا لم يحدث فيه.

الزواج تم في قصر القبة في يناير 1938، وهو ما تؤكده الصفحة الرسمية لقصر القبة التابعة لرئاسة الجمهورية.

ومن هنا أصبحت صافيناز…
الملكة فريدة.

3. فتاة في العشرين تدخل عالم المراسم

تخيلوا حجم الانتقال.

فتاة في بداية العشرينيات تنتقل من حياة عائلية عادية بالنسبة لبيئتها إلى عالم أصبح كل شيء فيه محسوبًا:
موعد.
زيارة.
احتفال.
ظهور أمام الناس.
ومناسبة رسمية.

حتى الملابس لم تعد مجرد اختيار شخصي.
فالمرأة التي أصبحت ملكة لم تعد تظهر باعتبارها امرأة عادية.

أصبحت صورتها جزءًا من صورة القصر نفسه.
لكن فريدة لم تكن مجرد وجه جميل في المناسبات.

كان لديها اهتمام بالفن، ثم أصبحت لها لاحقًا تجربة حقيقية مع الرسم.

وهنا تظهر لنا شخصية مختلفة عن الصورة التي اختصرتها الصحافة في «زوجة الملك».

4. الملكة التي أرادت أن يكون لها دور

في مقابلة أجرتها معها الصحافة الفرنسية في السبعينيات،

تحدثت فريدة عن رغبتها في أن تشارك في الحياة العامة وأن تساعد زوجها في مهامه.

لكنها قالت إن سياسيين أكبر سنًا كانوا يرون أن المرأة في الشرق لا ينبغي أن تتدخل في السياسة.

وسواء اتفقنا مع هذا التصور أو اختلفنا معه، فالمهم تاريخيًا أن فريدة لم تكن ترى نفسها مجرد زوجة تجلس في الخلفية.

ومع الوقت، ظهر دورها في المجال الاجتماعي والخيري.
خلال الحرب العالمية الثانية،

ترأست لجنة المرأة بالهلال الأحمر المصري، وشاركت في دعم جهود مساعدة ضحايا الحرب،

كما ارتبط اسمها برعاية عدد من المنظمات النسائية.
وهنا بدأت فريدة تترك بصمتها الخاصة.

ليس في قاعة المراسم فقط…
بل خارجها أيضًا.

5. ثم أصبحت أمًا لثلاث أميرات

في نوفمبر 1938، ولدت ابنتهما الأولى:
الأميرة فريال.
ثم جاءت:
الأميرة فوزية عام 1940،
وبعدها:
الأميرة فادية عام 1943.
ثلاث بنات.

وكانت الأسرة الملكية أمام سؤال أكبر من مجرد عدد الأبناء.

ففي النظام الملكي آنذاك، كان وجود وريث ذكر للعرش قضية شديدة الأهمية.

ولذلك ارتبط عدم وجود ابن ذكر بزواج فاروق وفريدة في كثير من التغطيات التاريخية.

لكن هنا لازم نفرق بين الواقع التاريخي وبين الحكم على فريدة.

فريدة أنجبت ثلاث بنات، ولم يكن من الدقة أن تتحول هذه الحقيقة إلى اتهام لها.

المشكلة كانت مرتبطة بنظام وراثة العرش وتوقعاته، لا بقيمة البنات أو مكانتهن.

والأميرة فريال، مثل شقيقتيها، كانت جزءًا من الأسرة الملكية التي عاشت آخر سنوات الملكية في مصر.

6. خلف أبواب عابدين.. لم تكن الحياة الملكية سهلة

وهنا نرجع إلى عابدين.
ليس لأن فريدة تزوجت فيه، فهي لم تتزوج في عابدين.

ولكن لأن عابدين كان واحدًا من أهم القصور التي شهدت الحياة السياسية والعائلية في عهد فاروق.

وفي 4 فبراير 1942، وقع واحد من أشهر أحداث العهد الملكي

عندما حاصرت المدرعات البريطانية قصر عابدين للضغط على الملك فاروق لتكليف مصطفى النحاس بتشكيل الحكومة.

وفريدة كانت في تلك السنوات جزءًا من الأسرة التي عاشت داخل هذا العالم المضطرب.

وهنا يظهر الفرق بين صورة الملكة في الحفلات…
وحياة امرأة ترى بلدها يمر بمرحلة سياسية شديدة التعقيد.

فالقصر لم يكن دائمًا قاعات مضاءة وحفلات ومناسبات.
أحيانًا كان خلف أبوابه ضغط سياسي كبير.

وكانت الأسرة المالكة نفسها تعيش تحت هذا الضغط.

7. عندما بدأ الزواج ينكسر

مع مرور السنوات، بدأت العلاقة بين فاروق وفريدة تتجه إلى النهاية.
وفي 17 نوفمبر 1948 أُعلن طلاقهما.

وكان عدم وجود وريث ذكر من الأسباب التي ترددت كثيرًا في تفسير الطلاق.

لكن فريدة نفسها تحدثت لاحقًا عن أسباب أخرى مرتبطة بالحياة الزوجية.

وهنا لا نحتاج إلى تحويل قصة الطلاق إلى محاكمة لأحد الطرفين.

يكفينا أن نعرف النتيجة:
الملكة لم تعد زوجة الملك.
والمرأة التي دخلت القصر وهي شابة خرجت منه وهي أم لثلاث أميرات.

لكن حياتها لم تنتهِ عند هذه النقطة.
بالعكس…
ربما بدأت هنا.

8. قصر الطاهرة.. أثر من حياة الملكة

وهناك تفصيلة جميلة تربط فريدة بعالم القصور، لكنها مختلفة عن عابدين.

في عام 1939، اشترى الملك فاروق قصر الطاهرة من محمد طاهر باشا بمبلغ 40 ألف جنيه، وأهداه إلى زوجته الأولى الملكة فريدة.

القصر إذن يحمل اسم فريدة في تاريخ الملكية المصرية بطريقة مختلفة.

لكن بعد الخلافات التي انتهت بالطلاق عام 1948، انتقلت ملكية القصر إلى الملك فاروق.

وهكذا حتى القصور أصبحت شاهدة على مراحل العلاقة.

قصر القبة…
حيث بدأ الزواج.

قصر الطاهرة…
الذي حمل اسمها لفترة.

وعابدين…
الذي ظل واحدًا من أهم مسارح العهد الذي عاشت فيه ملكة.

ثلاثة قصور…
وثلاثة أبواب مختلفة من حكاية واحدة.

9. حين انتهت الملكية.. بدأت فريدة تبحث عن نفسها

بعد ثورة يوليو 1952 وإلغاء الملكية عام 1953، خرجت الأسرة المالكة من مصر.

أما فريدة، فبدأت مرحلة مختلفة تمامًا من حياتها.
لم تعد ملكة.
ولم تعد مرتبطة رسميًا بالقصر.

لكنها كانت تحمل معها شيئًا آخر:
الرسم.

كان الرسم في البداية هواية، ثم أصبح مع الوقت جزءًا أساسيًا من حياتها.

وفي الخمسينيات، بدأت تطور تجربتها الفنية، وكان خالها الفنان محمود سعيد من الأشخاص الذين شجعوها.

رسمت في بداياتها مشاهد من الحياة المصرية، والفلاحين، والمناظر النيلية، وتأثرت بالانطباعية.

وهنا أحب أن نتوقف.
لأن هذه المرأة التي كانت الصحف تتحدث عن ملابسها ومناسباتها الملكية…

كانت تنظر إلى مصر من زاوية أخرى.
بعين الفنانة.

10. فريدة الفنانة

في عام 1963 غادرت فريدة مصر إلى بيروت، ودرست الرسم هناك في مرسم الفنان اللبناني الأرمني جان غوفدر.
وكانت ترسم البورتريهات وتبيعها.

ثم انتقلت إلى سويسرا عام 1967 لتكون أقرب إلى بناتها، وكانت تسافر إلى باريس، حيث أقامت أول معرض فردي لها هناك عام 1968.

ولم تتوقف تجربتها عند الرسم التقليدي.
طورت تقنيات خاصة في أعمالها،

واستخدمت مواد مختلفة، واهتمت بالضوء والمعدن، وظهرت في أعمالها لاحقًا موضوعات روحية وصوفية.

يعني ببساطة…
المرأة التي عاشت يومًا تحت ضوء القصر…
أصبحت تصنع ضوءها الخاص على اللوحة.

وهذه، في رأيي، واحدة من أجمل المفارقات في حكايتها.
11. العودة إلى مصر

انتهت سنوات المنفى بالنسبة لفريدة عام 1974، فعادت إلى القاهرة.

واستمرت في العمل الفني وإقامة المعارض.

وفي عام 1980 أقيم لها معرض فردي في القاهرة في فندق الميريديان.
لم تعد فريدة إلى مصر كملكة.

عادت كفنانة.
وهذا فرق كبير.
فهي لم تستعد التاج…

لكنها استعادت شيئًا ربما كان أهم بالنسبة لها:
حقها في أن تُعرّف نفسها بنفسها.

12. آخر باب

توفيت الملكة فريدة في القاهرة في 16 أكتوبر 1988.
كانت قد عاشت 67 عامًا.

سبعة وستون عامًا مرت من فتاة إسكندرانية…
إلى زوجة ملك…
إلى ملكة…
إلى أم لثلاث أميرات…
إلى امرأة عاشت الطلاق والمنفى…
ثم إلى فنانة عادت إلى القاهرة.

وفي 2022 نُقلت رفاتها إلى مسجد الرفاعي، حيث المقابر الملكية.

وهكذا عادت، بعد سنوات طويلة، إلى المكان الذي يجمع أفراد الأسرة المالكة.
لكنها لم تعد إليه بتاج.
بل بذكراها.

فريدة.. الحكاية التي بدأت بالتاج ولم تنتهِ به

يمكن أن نختصر فريدة في أنها «زوجة فاروق الأولى».
لكن هذا الاختصار يظلم قصتها.

فريدة كانت امرأة دخلت الحياة الملكية شابة.
ثم أصبحت أمًا لثلاث أميرات.

وشاركت في العمل الاجتماعي والخيري.
وعاشت واحدة من أصعب فترات الملكية المصرية.
ثم خرجت من القصر.

وبعدها بنت لنفسها حياة جديدة من خلال الفن.
ولذلك…

فإن أجمل ما في حكايتها ليس اليوم الذي وضعت فيه التاج.
بل اليوم الذي استطاعت فيه أن تعيش من دونه.

وهنا نقفل باب فريدة…
لكن ليس قبل أن نترك وراءنا سؤالًا مهمًا:

ماذا يحدث لامرأة عاشت ملكة…
ثم وجدت نفسها فجأة خارج القصر؟

الإجابة كانت في فرشاتها وألوانها.
لكن خلف أبواب عابدين…
كانت هناك امرأة أخرى ستدخل القصر في مرحلة مختلفة تمامًا.

امرأة لم تكن زوجة الملك الأولى…
لكنها ستصبح أم آخر ملوك مصر.
ناريمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *