إمتى أسكت.. وإمتى يبقى السكوت تفريط في حقي؟
✍️ بقلم / داليا حسام
إمتى يكون السكوت حكمة؟
وإمتى يكون ضعف؟
وإمتى يبقى التسامح خلق جميل… وإمتى يتحول إلى تفريط في حق من حقوقك؟
أسئلة يمكن كل واحد فينا سألها لنفسه في وقت من الأوقات.
لأننا اتربينا على إن التسامح فضيلة، وإن العفو أجمل، وإن “كبر دماغك” ساعات بتكون أحسن من ألف خناقة.
وده حقيقي.
لكن الدين نفسه علّمنا إن العفو مش معناه إن الإنسان يقبل الظلم، وإن الصبر مش معناه إنك تلغي نفسك.
ربنا سبحانه وتعالى قال:
“وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ”
المائدة: 8.
يعني حتى لما نختلف أو نغضب أو نتعرض للأذى، ما نخليش الغضب يخلينا نظلم الطرف الآخر.
وده في حد ذاته درس مهم جدًا:
طالب بحقك، لكن ما تظلمش.
دافع عن نفسك، لكن ما تتعداش على غيرك.
مش كل تنازل ضعف
فيه فرق بين إنك تتنازل لأنك قادر، وبين إنك تتنازل لأنك مكسور أو خايف.
النبي ﷺ قال:
“وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا.”
فالعفو مش ضعف.
إنك تقدر ترد وتختار ما تردش، دي قوة من نوع مختلف.
لكن العفو كمان مش معناه إنك تفتح الباب لنفس الشخص إنه يؤذيك كل مرة، وتعتبر ده من حسن الخلق.
لأنك لما تسامح، أنت بتختار العفو.
أما لما تسمح لحد يتمادى في ظلمك، من غير ما تحط أي حدود، فهنا لازم تراجع نفسك.
فيه فرق بين العفو عن الشخص وحفظ حقك
ممكن أسامحك… لكن أتعلم من اللي حصل.
ممكن ما أشيلش منك، لكن ما أديكش نفس المساحة اللي كنت بديهالك.
ممكن أدعي لك بالخير، لكن أبعد عن المكان اللي بيؤذيني.
وده مش تناقض.
إحنا أحيانًا بنفتكر إن علشان نكون ناس طيبين لازم ننسى كل حاجة ونرجع نتعامل بنفس الطريقة.
لكن الحكمة إن قلبك ما يمتلئش كراهية، وفي نفس الوقت عقلك يتعلم.
وربنا قال: “لا يحب الله الجهر بالسوء”
ربنا سبحانه وتعالى قال:
“لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ”
النساء: 148.
والآية فيها معنى دقيق جدًا.
الأصل إن الإنسان ما يجعلش الإساءة أسلوب حياته، ولا يحول كل خلاف إلى فضيحة وتشويه وانتقام.
لكن الآية نفسها استثنت من ظُلم.
وده يخلينا نفهم إن الدفاع عن الحق مش هو نفسه الاعتداء.
إنك تتكلم عن ظلم وقع عليك، أو تطالب بحقك، أو ترفض الأذى، مش معناه إنك خرجت من دائرة الأخلاق.
المهم كيف تطالب بحقك.
إمتى أسكت؟
أسكت لما يكون الكلام مش هيصلح حاجة.
أسكت عن كلمة عابرة.
أسكت أحيانًا علشان ما أخسرش إنسان بسبب لحظة غضب.
أسكت لما أعرف إن الرد هيكون مجرد انتقام.
لكن ما أسكتش لدرجة إني أقبل الإهانة كأنها شيء طبيعي.
ما أسكتش عن حقي لمجرد خوفي من زعل الناس.
وما أقنعش نفسي كل مرة إن “ربنا شايف” بينما أنا عندي القدرة إني أتكلم بأدب وأحط حد للموضوع.
ربنا شايف فعلًا… لكن ده لا يمنع إن الإنسان ياخد بالأسباب ويحفظ حقه.
والحق مش معناه الانتقام
أحيانًا الإنسان لما يتظلم، بيبقى همه مش بس إنه ياخد حقه… لكن إنه يوجع اللي ظلمه.
وهنا بنكون نقلنا نفسنا من مكان المظلوم إلى الرغبة في الانتقام.
والفرق كبير.
ربنا قال:
“وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ”
الشورى: 40.
الآية ما قالتش إن الإنسان لازم يقبل الأذى بلا حدود، لكنها فتحت باب العفو والإصلاح، وبيّنت إن الجزاء يكون بمثلها، لا بأكثر منها.
يعني حتى وإنت بتدافع عن حقك، ما تخلّيش الظلم اللي اتعرضت له يحولك إلى شخص ظالم.
إمتى أعرف إني فرّطت في حقي؟
لما أبقى كل مرة بقول:
“معلش.”
“مش مشكلة.”
“عدّيها.”
“علشان العِشرة.”
“علشان الشغل.”
“علشان الناس ما تزعلش.”
لحد ما أبقى أنا الشخص الوحيد اللي بدفع الثمن.
ساعتها محتاج أقف مع نفسي.
مش علشان أبقى قاسي…
لكن علشان أعرف إن الرحمة بالآخرين ما ينفعش تتحول إلى قسوة على نفسي.
في النهاية..
يمكن الحكمة مش إنك تسكت دائمًا، ولا إنك ترد دائمًا.
الحكمة إنك تعرف إمتى السكوت عبادة وأخلاق، وإمتى الكلام حق، وإمتى التنازل كرم، وإمتى يبقى ظلم لنفسك.
سامح… لكن ما تسمحش للأذى إنه يبقى عادة.
اعفُ… لكن لو احتجت تحط حدود، حطها.
طالب بحقك… لكن من غير ظلم.
وخلي دايمًا بينك وبين ربنا يقين إن الحق عنده ما بيضيعش، وإنك مش محتاج تتحول إلى شخص مؤذٍ علشان تثبت إنك اتأذيت.
وفي الآخر…
مش كل حق لازم ناخده بإيدينا، ومش كل حق لازم نسيبه.
لكن كل موقف محتاج قلب يعرف يعفو… وعقل يعرف يحط حدود.

